#adsense

مضبطة ثلاثية… بالنظام

حجم الخط

مضبطة ثلاثية… بالنظام!

إذا كان حجم الثقة التي نالتها الحكومة بعد جلسة مناقشة البيان الوزاري يعكس التسليم القسري لفريقي الغالبية والمعارضة بالتسوية التي لا خيار متاحا سواها حتى الانتخابات النيابية، فان هذه النتيجة الرقمية تبدو باهتة ومصطنعة بل ومداهنة قياسا بأبعاد خطيرة جدا ابرزتها المنازلات السياسية التي شهدتها الايام البرلمانية المستعادة.

بطبيعة الحال لا يتوقف الامر على شكل الصدامات الكلامية والاشتباكات بالتخوين والتأثيم والشتائم التي هي من طبائع "ثقافات" متهالكة في مجتمع سياسي نهشته موجات ميليشيوية واحتلالية و"وصاياتية" فغدا أبطاله الضحايا الجلادين لهذا المجتمع. بل ان الامر يتصل بما يمكن ان يشكله هذا الاختبار البرلماني، اذا كان يعكس بصدق حقيقة التوجهات السياسية والشعبية، "بروفة" مبكرة لاعادة تجديد التمثيل النيابي بعد تسعة اشهر.

تعاقب على الكلام في هذه الجلسة نحو نصف اعضاء مجلس النواب، بما يعني ان محضر الجلسة وحده كفيل بان يتحول وثيقة اساسية يفترض ان تعمم على النواب و"النخب" السياسية والمجتمع المدني والاعلام والصحافة قبل ان ينخرط مجلس النواب في جولته المقبلة لاقرار قانون الانتخاب الجديد. ولعل أخطر ما ينبغي التدقيق فيه في المحضر هو ما لا يتضمنه مباشرة بل مداورة، اي النقطة التي يجب ان تلقي ضوءا على التوازن السلبي الذي يحكم تركيبة الطبقة السياسية، ويمنع اي تجديد فيها واي تغيير في واقع الازمة الداخلية في حال المضي نحو اعتماد قانون 1960، كما تمليه تسوية الدوحة.

ولا بد في هذا السياق من قراءة متمعنة لرسالة صارخة ثلاثية تزامنت اصوات مطلقيها "بالنظام" مع الجلسة الختامية للتصويت على الثقة. فامتناع النائب غسان تويني برمزيته الشخصية والدستورية والفكرية الاكبر من اي تعريف عن التصويت هو بمثابة رفض صارخ للتسليم بشواذ التسويات الخارجة عن المدرسة الدستورية المتأصلة. والاستقالة المفاجئة والمباغتة للرئيس حسين الحسيني هي ابلغ احتجاج صارخ على انتهاك الميثاق من عراب ميثاق الطائف. والمداخلة الباهرة للنائب بطرس حرب هي ابلغ درس اصولي (من اصول) ونظامي في الديموقراطية البرلمانية العريقة على لسان متمرس مخضرم بين ماض وحاضر يطمس معهما جوهر لبنان الاصيل.

لذلك يكتسب محضر جلسة مناقشة البيان الوزاري "مضبطة" فعلية لواقع جبهتين عملاقتين عند المسلمين تحظى كل منهما بقوة ساحقة غير قابلة للتغيير مما يبقي هامش الفرق للكسب او الهزيمة في الانتخابات محصورا بالجانب المسيحي وحده، وهو هامش لا يتيح توقع حسم انقلابي بالكامل بل احداث فارق بالنقاط فقط.

ومع ان فريقي النزاع اسقطا في اتفاق الدوحة كل امكان لانتاج طبقة سياسية جديدة من خارج مفهوم الصراع الجاري عبر تحكيم قانون 1960، فان وقائع جلسة المناقشة الاخيرة في مجلس النواب شكلت، في وجهها السلمي، شهادة اعادة اعتبار بالكامل الى مشروع لجنة الوزير السابق فؤاد بطرس، ليس في مضمونه الاصلاحي المسلّم به من الجميع فحسب، بل ايضا في النقطة الجوهرية والاساسية التي اسقطتها تسوية الدوحة والمتعلقة باعتماد آلية اقتراع مركبة بين النظامين الاكثري والنسبي.

فلا مبالغة في الاستخلاص مجددا، عقب التصاعد الخطير والمفجع لاحتقانات الطبقة السياسية في مجلس النواب، ان النسبية وحدها الآن وما دامت العلمنة الشاملة هجرت لبنان والحقت بضحايا ازماته، هي السبيل الوحيد لاقحام بعض التجديد والتغيير في الطبقة السياسية وفي الواقع الموغل نحو تجديد الازمة واعادة انتاجها على نحو مدمّر. وعبثا كل وهم آخر او رهان آخر على تبديل اكثرية واقلية ما دامت هذه صارت توازي تلك بالممارسات والتعطيل. وما دامت مجموعة اعراف وسوابق طارئة صارت هي الدستور الميداني الاقوى من كل دستور مكتوب.

المصدر:
النهار

خبر عاجل