أبخرة بركان لم يخمد؟!
ليس المهم في النهاية ثقة هذا المجلس النيابي المتصدّع بهذه الحكومة المتشققة التي لا يتورع البعض عن خلع محاسن الوحدة الوطنية عليها زوراً وبهتاناً، المهم في الواقع هو ثقة هذا الشعب اللبناني (الشعب؟) بالواقع السياسي الوضيع الذي وصلت اليه الاحوال في هذا البلد البائس.
وهكذا لم يكن في الامر أي مفاجأة. فقد كان واضحا سلفا ان "سوق الجمعة"، الذي استمر خمسة ايام، لن يفعل شيئا سوى كشف عورات الواقع الانقسامي المتجذر في البلاد بما فيه طبعا من الاستفراس والتسلط، وذلك بعد سقوط "ورقة التين" التي نسميها "اتفاق الدوحة" مرة جديدة!
فلقد ذهبت "أمنيات" الرئيس نبيه بري ادراج الرياح وادراج الألسنة السليطة منذ اللحظة الاولى تقريبا. واذا كان موعد انطلاق جلسات المناقشة في 8/8/2008 صادف نهاراً للاعراس وهو ما دفعه الى القول: "اليوم يصادف عرس لبنان وعقبال 14 و8 آذار بالتزاوج لمصلحة الوطن"، فإن الوقائع جاءت مغايرة تماما. فلم نكن في عرس بل في قرص كبير استمر خمسة ايام وملأ سطوح بيروت بالغسيل الناصع وبالاشمئزاز طبعا!
واذا كان من عادة النواب في بعض برلمانات العالم ان يشتبكوا ويتقاذفوا الكراسي احيانا، فإن ذلك يبقى مُبررا شرط ان يكون موضوع الاشتباك مفهوما. اما ان يصير منطلق الاشتباكات الكلامية التي شهدناها في الجلسات الخمس محاولة واضحة لقمع الرأي عبر فرض قواعد استنسابية للممنوعات والمسموحات، فهذا شيء يتنافى كليا مع مبدأ الديموقراطية وحرية ابداء الرأي.
في أي حال، كان الرئيس بري يحسب انه ذاهب الى عرس، وفي الاعراس قيافة في الثياب والكلمات والالسن وفيها ايضا كثير من العطر والقبل والابتسامات.
ربما لهذا ظن انه يحتاج الى فرقة للزفة!
ولكنه مع انطلاق المناقشات (وأي نقاش؟) اكتشف انه كان يحتاج الى فرقة لمكافحة الشغب.
وانه بدلا من العطور كان عليه ان يستعين بمؤسسة للتنظيفات، وخصوصا تنظيف "الأنياع"، وهي جمع النيع. والنيع هو الفم او الحنك وهو قابل للفك او التفكيك. ويقال في بعض المناطق نيّعه تنييعاً اي عضه عضاً !
❐ ❐ ❐
لا ندري في الواقع اذا كنا امام سيرك قدم عروضاً في البهلوانيات الكلامية. وقد استمعنا الى نواب يعرضون تاريخ الجمهورية ويخطبون على طريقة "لله يا محسنين" لعل الشعب يلاقيهم الى صناديق الاقتراع، او على طريقة "المبشّرين" والاطهار يصوّرون محاسن ادارتهم للجنّة اللبنانية اذا آلت الامور اليهم، رغم ان الناس يتذكرون جيدا موهبة هؤلاء في استحضار الجحيم والاهوال!
كما لا ندري اذا كنا امام حلبة للملاكمة حيث تحولت كلمات عدة منطلقا للمقاطعة والصياح، ودائما استنادا الى النظام عليم الله. ولكن في الحالين لم نكن امام مناقشات مسؤولة تفند بيانا وزاريا وتظهر محاسنه من المساوئ المفترضة كما تظهر حدا ادنى من احترام عقول الناس، عبر تقديم اقتراحات وافكار بديلة او من خلال تصويب بعض ما يرى المتحدثون انه يحتاج الى تصويب.
واذا كان العرس قد تكشّف عن "قرص كبير"، فإن دعوة الرئيس بري الى جعل الحكومة حكومة تأسيسية، وهو أمر من مسؤولية مجلس النواب، ذهبت ادراج الاشتباكات والاتهامات والتهجم ومحاولة قمع الرأي.
هذا يعني ان "الوحدة الوطنية" مجرد كلمات، وان "اتفاق الدوحة" هو فعلا ورقة تين يتكرر سقوطها لتظهر عورات الواقع الراهن في هذا البلد التاعس.
ويعرف الرئيس بري ان التأسيس يحتاج الى ارض صلبة ومستقرة ومتماسكة، وان ليس هناك من يقيم منزله عند فوهة البركان، والاستعراض الذي امتد خمسة ايام متتالية لم يكن مجرد بهلوانيات لاستجلاب الناس انتخابيا، ولا مجرد تراشق بالكلمات، ولا مجرد كلمات للتنفيس عن الاحتقانات والجروح التي لم تندمل بعد، ولا مجرد محاولات لقمع الرأي الآخر، بل كان مجرد ابخرة تنطلق من فوهة بركان لم يخمد، ولن يخمد ابداً قبل تحييد لبنان عن البراكين المتفجرة في طول المنطقة وعرضها.
