التناقضات اللبنانية تتقاطع عند الترحيب بالقمة "التاريخية"
العلاقات الديبلوماسية والحدود… واهتمام خاص بملف المفقودين
لعلها القمة اللبنانية – السورية الاولى التي يمكن وصفها بـ"التاريخية" قبل ان تعقد اليوم في دمشق بين الرئيسين ميشال سليمان وبشار الاسد لمدة يومين، وقبل معرفة النتائج التي يمكن ان تسفر عنها، وذلك لأسباب عدة أولها ان من العناوين البارزة على جدول اعمالها اقامة علاقات ديبلوماسية وتبادل سفراء وترسيم حدود بين البلدين. وهي المرة الاولى في تاريخ العلاقات اللبنانية – السورية يدرج في جدول أعمالها ملف بهذا الحجم، بالاضافة الى انها القمة الاولى بعد طول انقطاع وتراجع في العلاقات بلغ حد التدهور، وبعد زلزال 14 شباط 2005 تاريخ اغتيال الرئيس رفيق الحريري، والاولى بعد الانسحاب العسكري السوري من لبنان في نيسان من العام نفسه، وبعد سلسلة تطورات أمنية وسياسية دراماتيكية متسارعة أعقبت هذا الانسحاب.
كذلك هي القمة الاولى من نوعها، في الشكل والمضمون، بدءا بالدعوة الرسمية التي نقلها الى لبنان وزير خارجية سوريا وليد المعلم، مرورا بالاعلان عن موعدها مسبقا، وصولا الى أن مجرد انعقادها يعتبر حدثا كبيرا بعد قطيعة استمرت ثلاث سنوات بين "النظامين" في سوريا ولبنان.
ولكن في النهاية تبقى النتائج التي ستسفر عنها هي المعيار.
ومن التسرع الحديث عن نتائج فورية ترجمة للعناوين الكبيرة المدرجة في جدول الاعمال. وبدا واضحا ان الرئيس ميشال سليمان بقدر ما يعلق آمالا على القمة، وقد عبّر عن ذلك أكثر من مرة، كان متواضعا وحريصا على عدم استباق الحديث عن نتائج فورية. فبداية الانفراج لقاء "وأول الاهداف اعادة الثقة على مستوى الدولتين، وتحت هذا العنوان تصبح كل الامور قابلة للحوار والمناقشة في أجواء ايجابية" وفق مصادر رسمية مواكبة للتحضير للقمة.
ومما يعزز الامل بنتائج ايجابية، ذاك الاجماع في لبنان على الترحيب بانعقادها وبالمستوى نفسه من مؤيدي سوريا وخصومها السياسيين. ولئن يكن من الطبيعي ان يرحب الفريق الاول بأي لقاء لبناني – سوري ولا سيما على مستوى القمة، كان لافتا ان مصادر بارزة في تحالف قوى 14 آذار، وقبل قليل من كلام مماثل لرئيس كتلة "المستقبل" النائب سعد الحريري في مجلس النواب بعد ظهر أمس، عبرت عن بالغ ارتياحها الى انعقاد القمة "لأننا نأمل خيرا وننتظر نتائج ايجابية وتحقيق تفاهم على قضايا عدة أهمها: التبادل الديبلوماسي وترسيم الحدود وجلاء مصير المفقودين والمعتقلين اللبنانيين في السجون السورية".
وهل يمكن ان تسفر القمة عن غير اعلان نيات في البداية؟
تجيب المصادر نفسها: "لقد تم اعلان النيات في باريس. ونحن داعمون للقمة الى ابعد الحدود ونتوقع نتائج تترجم خطوات عملية لما فيه مصلحة لبنان وسوريا على حد سواء".
في المقابل، تبدو مصادر الرئاسة اللبنانية حريصة على عدم استباق القمة، وان تكن تشارك الجميع، بمن فيهم قوى 14 آذار، في التأمل خيرا بنتائجها. وترى مصادر رسمية انها "قمة وضع العلاقات اللبنانية – السورية على السكة الصحيحة، وتنقيتها من الشوائب التي اعترتها ولا سيما في السنوات الثلاث الاخيرة"، وتضيف: "ان جدول أعمال القمة مفتوح على مناقشة أي ملف يعني البلدين. وعناوين هذا الجدول باتت معروفة: العلاقات الديبلوماسية، ترسيم الحدود بين البلدين وضبطها وملف المفقودين"، بالاضافة الى "مراجعة كل اتفاق بين البلدين يرى أحدهما أنه مجحف بحقه. وهناك اعادة قراءة لكل تداعيات المرحلة السابقة وبناء رؤية لمستقبل افضل في العلاقات".
وعن سبب التركيز على استمرار المجلس الاعلى السوري – اللبناني والتمسك ببقائه ولا سيما من مؤيدي سوريا، تقول المصادر نفسها: "ان العلاقات الديبلوماسية في حال قيامها لا تلغي هذا المجلس، كما أنه لا يلغي بدوره اقامة هذه العلاقات". واذ ترى ان "التبادل الديبلوماسي لن يكون على حساب المجلس الاعلى"، تلفت الى أن "في صلاحياته ما هو ذو صلة بالعلاقات الديبلوماسية في شكل أو آخر. وبعد قيام هذه العلاقات لا تعود هذه الصلاحيات قائمة. وهكذا سيكون من الطبيعي، في مراحل لاحقة، ان يعاد النظر في دور المجلس وصلاحياته بحيث يأتي دوره متكاملا مع المرحلة الجديدة". وبناء على هذه المعطيات يمكن القول ان لا العلاقات الديبلوماسية ستتم بين ليلة وضحاها، ولا المجلس الاعلى السوري – اللبناني سيُلغى بمجرد قيامها. وان خطوة بهذا الحجم، وللمرة الاولى منذ استقلال البلدين، ستأخذ وقتها ومداها. ولعل التركيز على استمرار المجلس الاعلى هو ترجمة لهذا الواقع.
ويبدو واضحا ان ملف المفقودين والمعتقلين سيكون محور بحث جدي، ربما للمرة الاولى منذ عقود، اذ تؤكد المصادر المواكبة للتحضير للقمة ان "هناك نية وتصميما على معالجة هذا الملف جديا. فهو ضاغط على الطرفين، وأيا يكن الامر، فمن الضروري معالجة كل غموض يكتنفه وجلاؤه بكل شفافية وصراحة".
وأيا تكن النتائج التي ستسفر عنها القمة، فهي ستشكل مؤشراً الى طبيعة المرحلة المقبلة، سواء على مستوى العلاقات الثنائية، او على مستوى المشهد السياسي الداخلي، ولا سيما مع انطلاقة الحوار الوطني المتوقعة قريبا في القصر الجمهوري بدعوة من رئيس الجمهورية. وهذا الحوار لن يكون في معزل عن الاجواء الضاغطة والناجمة عن اقتراب الانتخابات النيابية، اذ يُخشى ان ترخي بظلالها على جلساته بل ان ترمي بثقلها على المناقشات، تماما كما حصل خلال مناقشة البيان الوزاري للحكومة في مجلس النواب، وما رافقها من سجالات لم تكن على المستوى المطلوب في بعض الحالات وهذا ما يمكن ان يشكل خطرا على نتائج الحوار، بحيث يصبح ممكنا "ترحيله" الى ما بعد الانتخابات النيابية المقبلة بعد أقل من تسعة أشهر، وذلك بعدما "رحّلت" الى طاولة الحوار ملفات كبيرة ساخنة، ليس أقلها كيف السبيل الى فهم مشترك لحماية لبنان من اعتداءات اسرائيلية محتملة والتوصل الى "استراتيجية الدفاع"، الا اذا كانت الظروف مؤاتية محلياً واقليمياً بحيث يتمكن الرئيس سليمان من عزل عناوين الحوار وأهدافه عن العناوين والاهداف الانتخابية!