بعدما عادت أعمال العنف والإرهاب وسقوط قتلى وجرحى
الانتخابات المقبلة رهن مصير السلاح خارج الشرعية
بات واضحا للجميع أن لا قيام لدولة قوية قادرة بوجود سلاح خارج الشرعية. فعندما كان السلاح في يد الفلسطينيين في لبنان لم تقم هذه الدولة، وعندما كان السلاح في يد الاحزاب والميليشيات لم تقم الدولة ايضا. وما دام السلاح اليوم خارج الشرعية، فلن يكون استقرار امني وتقوم دولة. وما العمل الارهابي الذي استهدف باصاً يقل عسكريين ومدنيين في طرابلس وسقط فيه قتلى وجرحى سوى الدليل الساطع على ذلك. وما لم يتم الاتفاق بين اللبنانيين على تسليم السلاح، لا سيما المتوسط والثقيل للدولة، فلن ينعم لبنان بالاستقرار، ويخشى ان يكون هذا العمل الارهابي الخطير اول الغيث… فكيف والحال هذه يمكن اجراء انتخابات نيابية اذا لم يتقرر مصير هذا السلاح؟ فاذا كانت الانتخابات الرئاسية انتهت بالتوصل الى اتفاق على رئيس توافقي هو العماد ميشال سليمان، وازمة تشكل الحكومة انتهت بالتوصل الى اتفاق على حكومة توافقية تتألف من الموالاة والمعارضة، فهل في الامكان التوصل الى اتفاق على تأليف لوائح توافقية وائتلافية في الانتخابات النيابية المقبلة تجنبا لخوض معركة "كسر عظم" بين قوى 14 آذار والمتحالفين معها وقوى 8 آذار والمتحالفين معها، باعتبار ان الحكم في لبنان لن يستقر سياسيا وامنيا واقتصاديا الا على اساس التوافق والتسويات بين جميع القوى السياسية الاساسية في البلاد؟
لقد استطاعت الاقلية المعارضة تعطيل حكم الاكثرية وادخال البلاد في ازمة استعصى حلها لبنانياً، فكان حلها مفروضا على الجميع في لقاءات الدوحة، ولو على نحو مخالف للدستور، فاستمرت ازمة انتخاب رئيس الجمهورية ستة اشهر لان نواب الاقلية المعارضة يملكون سلاح تعطيل نصاب الثلثين المطلوب لهذا الانتخاب، واستمرت ازمة تشكيل حكومة وحدة وطنية اكثر من سنة بسبب الخلاف بين الاكثرية الموالية والاقلية المعارضة على تشكيل هذه الحكومة التي تطالب المعارضة بان يكون لها فيها "الثلث المعطل"، وقد تواجه البلاد ازمة انتخابات نيابية اذا ظل السلاح خارج الشرعية حتى اذا ما جرت في ظله، فان المرشحين الخاسرين قد يطعنون في نتائجها.
لذلك يرى سياسيون مستقلون ان يكون التوافق هو شعار الانتخابات النيابية المقبلة لتأمين اجرائها كما كان شعار الانتخابات الرئاسية وتشكيل حكومة الوحدة الوطنية، والا فان الاقلية المعارضة التي تفرزها الانتخابات النيابية المقبلة قد تفعل ما فعلته المعارضة الحالية فتطلب ان يكون لها "الثلث المعطل" في اي حكومة يتم تشكيلها ما دام ثمة من يدعو الى "الديموقراطية التوافقية" ربما حتى اشعار آخر، لان الكلمة هي للسلاح غير الشرعي. وما لم يتم انهاء وجود هذا السلاح وحصره بالدولة، لتكون هي المسؤولة وحدها عن امن الوطن والمواطن وعن التصدي لاي اعتداء يقع، فسوف يكون من الصعب العودة الى ممارسة النظام الديموقراطي السليم الذي يقضي بأن تحكم الاكثرية وان تعارض الاقلية، لان من في يده السلاح يظل هو المتحكم بالحكم وبقرارات الدولة بدليل ان الاعتصام في الخيم في الوسط التجاري ما كان ليدوم مدة طويلة لو لم يكن يحظى بحماية السلاح غير الشرعي، بل كانت هذه الخيم ازيلت خلال 24 ساعة. وما كان تعذر تعيين بدلاء عن الوزراء الشيعة وهو ما لم يكن يحصل في الماضي عندما لم يكن ثمة سلاح خارج الشرعية، لولا الخوف من ان يؤدي هذا التعيين الى حرب اهلية. وما كانت الانتخابات الرئاسية تظل معطلة ستة اشهر، بل كان في الامكان انتخاب رئيس للجمهورية بالاكثرية المطلقة، لولا الخوف من حرب داخلية. وما كان في استطاعة السلاح خارج الشرعية ان يكسر القرار المتعلق بشبكة الاتصالات الخاصة بـ"حزب الله" والقرار بنقل رئيس جهاز امن المطار لولا وجود هذا السلاح. وما كان حتى للرئيس لحود ان يبقى حتى نهاية ولايته لولا الخوف من هذا السلاح اذا ما اصطدم جمهور 14 آذار مع جمهور 8 آذار.
الى ذلك، يرى السياسيون انفسهم ان المشكلة هي في السلاح خارج الشرعية، وما لم يتم التوصل الى حل له على طاولة الحوار او خارج هذه الطاولة، فان لبنان لن ينعم بالاستقرار السياسي والامني والاقتصادي الثابت، بل سيظل يواجه ما واجه على مدى السنوات الاخيرة من تجاذبات ومشاكسات وازمات بين الاكثرية الموالية والاقلية المعارضة خصوصا اذا انتشر السلاح بين ايدي اكثر من حزب بحجة الدفاع عن النفس ليصبح الامن الذاتي هو البديل من امن الدولة…
والسؤال المهم المطروح هو: هل يتم التوصل الى اتفاق على "استراتيجية دفاعية" تجعل السلاح محصورا بالدولة، فلا يكون سلاح غير سلاحها ولا سلطة غير سلطتها ولا قانون غير قانونها كي تستطيع بسط سيادتها على كل الاراضي اللبنانية ولا تبقى اي منطقة يحظر عليها الدخول اليها، ولا تبقى مربعات امنية بحجة الدفاع عن النفس عندما تصبح الدولة هي وحدها المسؤولة عن امن الوطن والمواطن وذلك تنفيذا للقرارات الدولية ولا سيما القرار 1701؟
وعندما يصبح السلاح في يد الدولة من دون سواها، فلا يعود في استطاعة اي حزب او طائفة التمرد على سلطتها وعلى قراراتها، ولا يعود في امكان الاقلية المعارضة، كونها مسلحة، ان تتحكم بالاكثرية وبقرارات السلطة بل تصبح المعارضة غير المسلحة تمارس دورها كما كانت تمارسه في الماضي داخل المؤسسات وليس في الشارع، فتعارض بحجب الثقة عن الحكومة وتشارك في الحكومة اذا التقت مع الاكثرية على برنامج عمل واحد والا ظلت خارج الحكومة تمارس دور المراقب والمحاسب ولا تفرض برنامجها على الاكثرية بقوة السلاح.
لذا، فان الانتخابات النيابية المقبلة، وهي انتخابات مصيرية، قد تواجه الآتي توصلا الى اجرائها:
اولاً: اذا تم التوصل الى حل لمشكلة السلاح خارج الشرعية، فقد يصبح في الامكان التوصل بسعي من الرئيس سليمان، كونه يقف على مسافة واحدة من الجميع، ان يجنب البلاد معركة "كسر عظم" قاسية بين قوى 8 و14 آذار وذلك بتشكيل لوائح ائتلافية حيث يمكن ذلك خصوصا في المناطق الحساسة، واذ تعذر تشكيل هذه اللوائح فان المعركة الانتخابية ينبغي ان تدور عندئذ بروح رياضية قدر الامكان، لان القوى المتصارعة تصبح متكافئة ولا يكون فيها طرف مسلح يبعث الرعب والارهاب وطرف آخر غير مسلح.
ثانياً: ان يبقى السلاح خارج الشرعية ولا يتم التوصل الى حل له قبل الانتخابات النيابية وعندئذ إما ان يكون البديل من هذا الحل هو التدخل لتشكيل لوائح ائتلافية اقله في الدوائر الحساسة، كما صار التدخل لانتخاب رئيس توافقي للجمهورية وتشكيل حكومة وحدة وطنية، وإما ان تكون الانتخابات دامية، او يفرض الوضع المتأزم تأجيلها، لئلا يصير الطعن بنتائجها، وتعود الاقلية المعارضة المنبثقة منها تمارس الدور الذي تمارسه الاقلية المعارضة الحالية وهي مسلحة، فلا تنعم البلاد عندئذ بالاستقرار.
