الانقلاب المفاجئ في المشهد الداخلي نذير عودة إلى زعزعة الاستقرار
التحدّي الإرهابي يفرض الاستحقاق الأول لحكومة المعارضة والغالبية
ينقلب المشهد فجأة في لبنان من دون سابق انذار، وعلى نحو كلي يثير استغراب كثيرين من متابعي الوضع من ديبلوماسيين عرب واجانب.
وقد تغير المشهد في الساعات الاخيرة بين منحى يفترض ان يبشر باستقرار نسبي بعد الثقة وانطلاقة العمل في الحكومة والمؤسسات الشرعية كلها من رئاسة الجمهورية الى مجلس النواب، ونقيضه من حيث لجم هذه الانطلاقة والتهديد بمرحلة قد لا تكون مريحة على الاطلاق. فقد اثار التفجير الارهابي في طرابلس اسئلة كثيرة عما اذا كان لبنان سيشهد مسيرة جديدة من العمليات الارهابية او سواها شبيهة بالمرحلة السابقة من الاغتيالات التي استهدفت نوابا وشخصيات سياسية واعلامية، والحوادث الارهابية التي استمرت ثلاثة اعوام، ام ان هذه العملية انتقامية من تنظيمات اصولية او سواها ولغاية محددة فحسب، علما ان طرابلس استحوذت على الانتباه الى حد كبير في الايام الاخيرة، وخصوصا بعد التظاهرة التي قام بها قبل ايام اهالي الموقوفين الاسلاميين بحيث رأى كثيرون عوامل مقارنة وتشابه بين هذه الظاهرة وظواهر مماثلة في بعض الدول كالعراق مثلا.
ويغلب على التفجير الارهابي الذي استهدف حافلة للركاب موقعا اكثر من تسعة شـهداء من عناصر الجيش واكثر من ستة مدنيين ونحو 50 جريحا، طابع استهداف الجيش في شكل اساسي. اذ ان المعركة التي خاضها الجيش في شوارع طرابلس قبل عامين وصولا الى نهر البارد واسلوب التفجير الذي حصل امس عززا الاعتقاد الاولي في شأن استهداف الجيش، على رغم ان هذا التفجير يحتمل كما سواه مجموعة من الرسائل في اتجاهات عدة سياسية وامنية بهدف هز الاستقرار في لبنان او منع حصوله. وقد توقــف المراقبون، في مرحلة اولية، عند موقع التفجير في منطقة بعيدة نسبيا من مناطق الحوادث المعهودة في طرابلس في الآونة الاخيرة، اي بين باب التبانة وبعل محسن في مؤشر يكتسب معنى خاصا في ظل الاوضاع التي تعيشها عاصمة الشمال. كما توقــفوا عــند مغــزاه من حـــيث احتمال ان يكون عملا انتقاميا موجها ضد الجيش، فضلا عن توقيته قبيل توجه رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان في اول زيــارة رســمــية لــه الــى ســوريـــا.
وهناك ايضا عوامل اخرى، اولها انه اليوم الاول من العمل للحكومة الجديدة بعد نيلها الثقة في مجلس النواب، وهي ستقدم على اولى خطواتها في تعيينات امنية على مستوى عال في اول جلسة لها، وخصوصا مع تنبه البعض الى ان اللواء الركن فرنسوا الحاج اغتيل في عز ترجيح اسمه قائدا للجيش.
وقد استبق مراقبون كثر النتائج المحتملة لهذا التفجير، باعتبار انه سبق لهم ان اجروا استطلاعاتهم الخاصة في طرابلس بعيدا من الرؤية الرسمية او الحزبية للافرقاء هناك، بالتحذير من ان هذه الوتيرة من الحوادث في طرابلس قد تستمر مدة غير قصيرة ربما حتى موعد الانتخابات النيابية المقبلة، ولاسباب تتعلق جزئيا بهذه الانتخابات. اذ ان اعمالا مماثلة غالبا ما لا تأتي منفصلة بل متتابعة ولاهداف وغايات سياسية بقطع النظر عن اللااستقرار الذي تؤدي اليه. لذلك يسلط هؤلاء الضوء على جملة اجراءات يتعين اتخاذها، من بينها ان الحكومة الحالية لم تعد حكومة غير شرعية او غير تمثيلية، كما كان يتهمها معارضوها ويأخذون عليها التقصير الامني تبعا لذلك. فقد اصبحت حكومة الجميع التي يفترض ان يتحمل فيها هؤلاء المسؤولية بالتمام والكمال من اجل تأمين الغطاء السياسي للجيش واطلاق يده من دون اي قيود، لضبط الوضع الامني في طرابلس على نحو كلي، وإن تطلب الامر حالا شبيهة بحال طوارئ امنية. وهذا التفجير هو اول تحد امام حكومة الاكثرية والمعارضة التي نالت الثقة اول من امس في مجلس النواب، لكي تأتي بالاجوبة اللازمة التي يحتاج اليها اللبنانيون، وخصوصا بالنسبة الى المعارضة، من اجل ان تقدم المساعدة التي كانت تفتقر اليها الحكومة من دون هذه المشاركة، باعتبار انها كانت تعيب على الحكومة غياب الفاعلية والمسؤولية لغياب المشاركة.
وثمة حال من الارتخاء الامني شاعت بعد انتخاب العماد سليمان رئيسا الى درجة ان كثيرين لفتوا الى ضرورة عدم التمادي في ذلك الارتخاء، وخصوصا بالنسبة الى حماية عدد من الشخصيات او وقوع حوادث تفجير لسبب ما، وفي مقدم هذه الاسباب الخوف المستمر من "تطيير" الموسم السياحي والاقتصادي الناشط.
يضاف الى ذلك ان الوضع في طرابلس كان مقلقا جدا قبل هذا الحادث ويتعين احاطة المدينة، كما لاحظ مراقبون دوليون، بعناية من الافرقاء السياسيين المعنيين فيها بالدرجة الاولى، ومن الافرقاء الآخرين قبل العناية الاقتصادية او الاجتماعية، باعتبار ان كل الخلافات تجد صداها في الصراعات السياسية في لبنان من دون اغفال احتمالات توظيفها من الاصوليين او توظيف هؤلاء ايضا من بعض الدول الاقليمية لحسابات خاصة.
وهذه الوقــائــع تتــفــاعــل بقــوة، ويتــم تنــبيه المســؤوليــن اللبنــانيــين اليـــها علـــى اســاس ســعي البــعض الى استكمال توظيف لبنان ككل وعدم الاستقرار فيه لحسابات ومصالح خاصة لا تمت بصلة الى مصلحة اللبنانيين.