#adsense

عن طرابلس والشمال… والظلم بالإهمال والإرهاب

حجم الخط

عن طرابلس والشمال… والظلم بالإهمال والإرهاب! 

… وكأنه كُتب على اللبنانيين ألا تكتمل أفراحهم، التي تبدأ باستمرار هذا التدفق السياحي الكبير، مروراً بتمرير قطوع تشكيل الحكومة والبيان الوزاري والثقة، وصولاً إلى إقامة العلاقات الدبلوماسية بعد زيارة الرئيس ميشال سليمان إلى عاصمة الأمويين·

فجاء تفجير طرابلس الإرهابي ليسمّم أجواء الارتياح والتفاؤل من جديد، وليطرح مسألة الأمن ودور الجيش والأجهزة الأمنية الأخرى، على بساط البحث العاجل، وذات الأولوية المطلقة، نظراً لخطورة ما وصلت إليه الأوضاع الأمنية في بعض المناطق من تدهور وتسيّب، يُنذر بأوخم العواقب إذا لم يتم تدارك الاهتزازات الأمنية والاحتكاكات المتكررة في الشارع، خاصة في طرابلس الفيحاء، والقضاء على الفتنة في مهدها، قبل أن تأكل نيرانها ما تبقى من لبنان الأخضر!·

لن نغوص في التحليل للتكهن باتجاهات الرسائل المتعددة التي وجّهها أصحاب التفجير الإجرامي إلى من يعنيهم الأمر محلياً وإقليمياً ودولياً!·

ولكن لا يمكن تجاهل إمكانية الربط بين حادثة الفيحاء وما سبقها من محاولات تفجيرية مماثلة استهدفت مواقع الجيش وعناصره، في عكار وفي محيط مخيم عين الحلوة، ومحاولة الانتحاري الذي سقط برصاص جنود الجيش اللبناني قبل أن يتمكن من الوصول إلى موقعهم في حي التعمير المجاور لمخيم عين الحلوة وتفجيره بمن فيه·

إذاً الجيش مستهدف: بهيبته وكرامته، كما بجنوده ومواقعه·

فماذا أعددنا لمواجهة هذا الاستهداف، والرد على الاعتداءات الآثمة ضد جنودنا البواسل؟·

* * *

إن طبيعة المعركة التي يخوضها الجيش الوطني، ومعه كل لبنان ضد الإرهاب تتطلب العمل الجدي والسريع على خطين متوازيين: الخط الأول سياسي بامتياز، والخط الثاني أمني صرف·

العمل على الخط السياسي قد يبدأ بعقد سلسلة من المصالحات بين القيادات السياسية، داخل الصف الواحد أولاً، ثم بين الأطراف المتنافسة ثانياً، ولا ينتهي عند عودة علاقات الود والتفاعل بين الدولة والسلطات الشرعية مع مناطق هذا الشعب المهمل في الشمال·

وأصبح معروفاً بأن الإرهاب يتسلل من الثغرات الاجتماعية، ويستغل الحاجات المعيشية الملحة لأبناء الطبقات الفقيرة، ويعمل على تضليل الشباب الضائع في متاهات التخلف والجوع، وكل ذلك، في ظل غياب شبه كامل للدولة عن التصدي لأبسط المشاكل والأزمات التي يشكو منها أبناء الشمال الصابرين على أحوالهم المأساوية·

وكان النائب سعد الحريري أول من وضع أصبعه على الجرح الشمالي عندما أعلن عن تنفيذ مجموعة من المشاريع الإنمائية والتربوية والصحية والاجتماعية في مختلف المناطق الشمالية، على نفقته الخاصة، ومن دون انتظار بيروقراطية الإدارات الرسمية، وتفادياً للسجالات الدائرة حول العجز في خزينة الدولة!·

ولأن اليد الواحدة لا تصفّق، فإن مبادرة الحريري وحدها لا تكفي لتلبية احتياجات أهلنا في الشمال الملحة، ولا تعفي أيضاً الدولة، بكل مجالسها وإداراتها المعنية من واجباتها الوطنية الضرورية، في التحرك السريع لتخفيف بؤر الفقر والإهمال في الشمال، وإشعار أبناء المنطقة بأن الدولة معنية بحاجاتهم الإنمائية، وقادرة على تلبية ضروراتهم المعيشية، وتأمين فرص العمل والحياة الكريمة لهم، بعيداً عن استغلال التيارات الهدامة، وبمنأى عن المتاجرات الناشطة برايات الدين وشعاراته المقدسة·

إن طرابلس العاصمة الثانية لدولة الاستقلال، تحوّلت إلى عاصمة الفقر والإهمال، بسبب غياب عهود الاستقلال المتلاحقة عن ثاني أكبر مدينة في لبنان من جهة، واستمرار تناحر قيادات المدينة على المكاسب السياسية والآنية التي لا تُشيع ··· ولا تصنع زعامة··!·

لقد ظُلمت الفيحاء ومعها الشمال مرتين: الأولى بالإهمال والنسيان وتغييب الإنماء، والثانية بالترويج لتهمة الإرهاب لمناطقها ولشباب عائلاتها·

* * *

أما العمل على الخط الأمني الصرف فيقتضي من العهد، ورئيسه القادم من المؤسسة العسكرية، وعلى حكومته الأولى، توفير كل الإمكانيات اللازمة لدعم الجيش والقوى الأمنية بما تحتاجه من عدة وتجهيز وعديد، ورفع شعار "الأمن أولاً" على كل ما عداه من شعارات وأولويات أخرى، لأن التجارب المرّة أثبتت للقاصي والداني، أن لا قيمة لأي إنجاز سياسي أو عمراني أو اقتصادي، إذا لم يكن محصناً بالأمن والاستقرار·

لا البنية التحتية تنفع، ولا الأوتوسترادات تُفيد، ولا حتى مياه السدود تروي، في حال بقيت الدولة عاجزة عن فرض الأمن والنظام وهيبة القانون على الجميع، ولا مبرر لوجود سلطة وطنية مركزية إذا بقيت أجهزتها الأمنية الشرعية غير قادرة على حسم الصراعات المحلية، وعلى وقف الاحتكاكات المسلحة، وعلى نزع سلاح الفتنة والفوضى من أيدي العابثين بأمن البلد، والمرتهنين لأعداء الوطن·

وبالنسبة لجريمة التفجير التي استهدفت مجموعة من الجنود الأشاوس، لا بد من التصريح عن صدمة غالبية اللبنانيين الذين فوجئوا بعدم وجود عربات نقل خاصة بالجيش، تحمل اللوحات العسكرية، وتؤمّن لها الحماية اللازمة، على غرار ما هو حاصل بالنسبة لسيارات الضباط، وذلك لتأمين عمليات نقل وانتقال الجنود الأشاوس بالحد اللازم من الأمن والأمان، والهيبة والكرامة·

لا يجوز أن يبقى جنودنا الأبطال على قارعة الطريق بانتظار باص مدني هنا، أو سيارة أجرة هناك، أو حتى اللجوء إلى إشارات "الأوتوستوب" على الأوتوسترادات، حتى يستطيعوا الوصول إلى ثكناتهم ومواقع تمركزهم، أو حتى لقضاء إجازاتهم مع عائلاتهم في منازلهم· تأمين عربات عسكرية لائقة لنقل الجنود، وتوفير الأمن اللازم في تنقلاتهم لا يحتاج إلى ميزانيات كبيرة، وأصحاب الشأن يعرفون أكثر من غيرهم أن ثمة مساعدات عربية للجيش والقوى الأمنية الأخرى لم تُصرف أموالها بعد·

* * *

وأخيراً، ماذا عن نتائج زيارة الرئيس ميشال سليمان إلى دمشق؟·

من الظلم بمكان الحكم على نتائج الزيارة بمقاييس كبسات الزر، أو معجزات عصا موسى، وسحر النبي سليمان!·

ذلك أن الملفات الشائكة العالقة بين البلدين هي أكثر تعقيداً من أن تعالج في جلستي عمل بين الرئيسين، بمعزل عن مناقشات اللجان المختصة والوزراء المعنيين·

صحيح أن ثمة عوامل إقليمية ودولية دفعت دمشق إلى إبداء مزيد من الليونة في التعاطي مع الملف اللبناني، وفي إعلان تبادل السفراء وإقامة العلاقات الدبلوماسية، خاصة قبل زيارة الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي إلى العاصمة السورية في 3 و4 أيلول المقبل·

ولكن الصحيح أيضاً أن على لبنان أن يستفيد من تفاعل العوامل المذكورة، والعمل بجدية على تصحيح العلاقات مع الشقيقة الجارة بما يضمن مصالح الشعبين الشقيقين، وبما ينسجم مع الاحترام المتبادل لسيادة واستقلال وخصوصية كل بلد للآخر، وعدم التدخل بشؤونه الداخلية·

ورغم أن الطرف السوري ليس مستعجلاً على بت كل الملفات العالقة مع لبنان دفعة واحدة، وأن ثمة توجهاً لاتباع سياسة الخطوة ··· خطوة، كما هو حاصل في تعامل فرنسا والاتحاد الأوروبي مع سوريا أيضاً، حيث أن كل خطوة إيجابية من دمشق تُقابَل بانفتاح أكبر من باريس وشركائها الأوروبيين·

رغم كل ذلك، لا بد من القول أن الزيارة الرئاسية كسرت الجليد الذي عطّل العلاقات بين البلدين، وفتحت الطريق من جديد لمعالجات أكثر جدية وأكثر رصانة لمعالجة تراكمات السنوات الماضية، بعيداً عن الصدى السيّئ الذي ِأثاره كلام الوزير وليد المعلم عن نبش المقابر الجماعية·

ما زلنا في بداية رحلة تصحيح العلاقات اللبنانية – السورية، كما يقول الرئيس ميشال سليمان·

والمهم أن الخطوة الأولى الصعبة أُنجزت بالزيارة الرئاسية!·

المصدر:
اللواء

خبر عاجل