#dfp #adsense

نظام غير قابل للحكم؟

حجم الخط

نظام غير قابل للحكم؟

بعد سد الفراغ الرئاسي، ومخاض تشكيل الحكومة وصياغة بيانها، وبعد الاغتيالات والتهديدات بالاصابع الممدودة ثم بالسلاح المقاوم وغير المقاوم، ولدى الاعداد اليوم لحوار ربما من نوع آخر في رئاسة الجمهورية، قد يتساءل البعض: الى اين نحن ذاهبون؟

الحاجة الابرز العودة الى قول لرئيس مجلس الوزراء فؤاد السنيورة في مقابلة مع السيدة جيزال خوري في قناة "العربية" في 28/11/2006. كرر الرئيس السنيوره مرتين، جوابًا على مخاوف محدثته: "ان لبنان يدخل لا في المهجول… بل في المعلوم!"، ولم يتوقف عند ذلك لبنانيون غارقون في مشاعر الالم والاستنكار والاستعمال "الآداتي" للدستور وتهديدات الشارع والشوارع.

المعلوم هو العودة الى التشاور والتوازنات اللبنانية وثوابت وثيقة الوفاق الوطني – الطائف، ولكن طبعًا مع كلفة باهظة وبعد وقت قصير وغالبًا طويل.
القول ان المراهنات والمغامرات والعنتريات والتهديدات تدخلنا في… المعلوم، هو قمة الحكمة اللبنانية التي سعى مهندسو الدستور اللبناني والمواثيق ورواد "العقلانية في السياسة اللبنانية"(1) توضيح فلسفتها ومضامينها وخبراتها، وابرزهم: كاظم الصلح، رياض الصلح، يوسف السودا، بشارة الخوري، ميشال شيحا، رشيد كرامي، محمد مهدي شمس الدين، موسى الصدر، بيار الجميل، فؤاد شهاب، شارل حلو، الياس سركيس، رينه معوض، الياس الهراوي…

ليس القول تفاؤلاً أو تعامياً على مخاطر ومستجدات داخلية واقليمية وعواصف ارهابية، أو تعبير عن فكر محافظ، كما درجت على نعته سابقًا تيارات ايديولوجية، بل ثمرة ارادة وهمود وخبرة تاريخية في ايجابياتها وسلبياتها طيلة أكثر من خمسة قرون.
هذا ما حمل الرئيس رشيد كرامي، عندما تعالت شعارات من مختلف الفئات: مات الميثاق وقبرناه، انتهى عهد التسويات، والآن بدأت معركة الجبل، لتكن معركة وينتصر من ينتصر…، قوله سنة 1976 حول ميثاق 1943: "لنعمل لما يغنيه ولا يلغيه"(2).

كل شيء جُرّب في لبنان

ما الذي لم يُجرّب بعد في لبنان؟ العدو الصهيوني الغاشم والاحتلالات، والشقيق والشقيقة واولاد العم، والارهاب الذي يطال الجميع ومن اعتبروا انفسهم لاعبين كبار، وكذلك "الاستقواء" الداخلي في كل اشكاله حسب تعبير شفيق الوزان.

اختبر اللبنانيون الفدرلة في كل اشكالها منذ المتصرفية والقائمقاميتين ولبنان الصغير ولبنان الكبير وفدرلة المتاريس والمعابر والقناصين وتقسيم الأمر الواقع والاقطاعيات المحلية تحت ستار لامركزية موحشة.

ما لم نختبره كفاية هو ما تعبّر عنه مقدمة الدستور المعدل، والتي يعتبرها البعض مجرد بلاغة كلامية: "لبنان وطن نهائي لجميع ابنائه". يعني ذلك ان الحوار "الوطني" في لبنان انتهى، اختباريًا، بوثيقة الوفاق الوطني أو الطائف، وكذلك السجالات الكيانية حول الهوية والمصير والمسار…! اما الباب فهو مشرّع على مشاورات سياسية يومية في سبيل بناء دولة الاستقلال "النهائي والناجز"، كما كان يقول منذ اكثر من نصف قرن رواد الاستقلال.

"الدخول… في المعلوم"، هو ما سعت اليه "خطة النهوض التربوي" بقيادة البروفسور منير ابو عسلي في السنوات 1997-2001، بخاصة من خلال برامج التربية المدنية والتاريخ. صدرت برامج التاريخ بالاجماع بالمرسوم رقم 3175 تاريخ 8/6/2000 (الجريدة الرسمية، عدد 27 تاريخ 22/6/2000
ص 2114-2195). اوقف وزير تربية سابق التطبيق لتعطيل بناء ذاكرة لبنانية، جماعية وجامعة واستقلالية، حول "المعلوم"، او ما كان يسميه سياسيون "الثوابت اللبنانية". لم تعد تستعمل عبارة الثوابت اللبنانية وكأن الهدف الانقضاض على الثوابت الميثاقية وثوابت وثيقة الوفاق الوطني التي اصبحت من المحظورات، كما جاء في كلام شهيد الاستقلال رفيق الحريري للوزير مروان حماده لمجرد ذكر الوزير حماده وثيقة الطائف في مسودة بيان وزاري: "بدك تروّحنا يا مروان"!(3).

نظام غير قابل للحكم؟

جُرّب كل شيء في لبنان والتجربة المستحدثة بعد انسحاب الجيش السوري هي جعل النظام اللبناني غير قابل للحكم ingouvernable. يتوفر في الداخل اللبناني من يدير هذا التعطيل، في حين ان مفهوم التعطيل لا وجود له في أي دستور في العالم ولا في أية شركة تجارية.
أما قوى اقليمية فتقوم بتجربة في لبنان أكثر تطورًا من خلال حزب مرغم واقعًا ان يتلبنن، في حين ان مصادر تسليحه وتمويله اقليمية. الهدف بروز قوة اقليمية تستتبع دولاً… على انقاض جامعة عربية وعروبة.

يتداخل نزاع داخلي ضيق الأفق حول السلطة، مع نزاع خارجي حول استقلال لبنان. يتمحور خطاب النزاع الداخلي حول شؤون تبسيطية تهدف الى تعبئة طبقة ساذجين أو طيبين او ناقمين. لكن لنقيس مدى التطور بين 1975، حيث تعالت شعارات الحرب الأهلية وتعديل الدستور والغبن والانعزالية والعروبة والتقدمية والقضية…، وبين كلام الرئيس السنيورة تجاه التساؤلات المضطربة ومخاوف جيزال خوري: الانتقال… الى المعلوم!

ان القول ان المغامرات والرهانات والشطارات والاستقواءات والايديولوجيات والمحاور والتعبئات… تعيدنا الى… المعلوم!، يعني ان لبنان هو في طريق الخلاص، ولكن ربما بكلفة باهظة.

لكن هل يحتاج لبنان واللبنانيون الى ثلاثين سنة جديدة من الصراعات والتجاذبات والاغتيالات والفراغات الدستورية وغير الدستورية وساحة محاور… ليعود الى… المعلوم؟ نكون بذلك قد ضحينا بجيل رابع من الناس في "حروب من اجل الآخرين"، حسب عنوان كتاب غسان تويني. ان جيل الوزير بيار أمين الجميل شهيد الاستقلال هو الجيل الثالث الذي يعيش حروب ونزاعات لبنان! هل سيرث ولداه من الجيل الرابع استقلالاً محصنًا ومنيعًا أم حروبًا متجددة… ثم العودة الى المعلوم!

الموضوع الذي نال على اساسه المحامي اميل جعجع سنة 1994 جائزة رياض الصلح عنوانه: "كيف كفرت بالميثاق ثم عدت اليه". انها لغة العقلانية والحكمة. اما الواقع فغالبًا ما تتحكم به الغرائز والأفق الضيق والحسابات الصغيرة والانفعالات وامراض ذاكرات الطوائف والذاكرة الجماعية.

ربما يُطلب من اللبنانيين، في جوار عدائي وغير ديمقراطي وساحة مفتوحة، درجة من الوعي تفوق القدرات البشرية، اذ هناك ارادة اجرامية وارهابية لادخال لبنان في مجهول…، ولكننا سنصل الى المعلوم! اذا اعتمدنا الذهنية "المؤامراتية"، يتعرض لبنان ليس الى مؤامرة واحدة، بل الى صراع وتعددية مؤامرات لدرجة انها تحطم بعضها… على انقاض اسواق تجارية وارواح الناس.

ثقافة المعلوم وممارستها

هل نعتمد المعلوم دون السير في مغامرات ومراهنات وكلفة باهظة؟ هذا "المعلوم" هو الرادع الثقافي وفي السلوك السياسي. ثقافة المعلوم وسياسة المعلوم هي الميثاقية بالذات التي تتجسد في سلوك قياديين لبنانيين ويتلاعب بها سياسيون مغامرون ومقامرون.

يقول الصحافي ادوار صعب في احدى افتتاحياته في لوجور: "لبنان مهد الايديولوجيات ولحدها، ولو كان كارل ماركس في لبنان لتحوّل الى بورجوازي صغير". وفي فيلم Labyrinthe الدهليس الذي عرض سنة 2004 حول بعض مراحل الحرب في لبنان يُظهر المخرج السويسري ان لبنان هو دهليس. الذين يدخلونه يقعون في الفخ ويتحولون الى ضحية. وينقل عن الرئيس كارتر قوله: "ان لبنان هو كالقنفز يوخزك حيثما مسكت به"! ويقول الرئيس حسين الحسيني: "ان بنية لبنان التي يقتضي مقاربتها بميزان الجوهرجي هي من الدقة بحيث تتطلب حكمة عالية في ادارة الحكم"(4).

لا يعني ذلك ان المعلوم والعمل بموجبه اصبح قريبًا، بل قد يستغرق مزيدًا من الوقت، وربما جيلاً كاملاً، اذا استمر لاعبون داخليون في لعبة داخلية ضيقة حول حصة في حكومة، وكشف فضائح كهرباء، ونبش ملفات من الماضي حول مقابر جماعية وهدر وفساد وصداقات مشبوهة…، في حين ان لبنان يواجه مساعي بروز قوة اقليمية. وهو محور عالمي في محاربة الارهاب، ويواجه التحدي الدولي في تطبيق القرار 1701، ووضع حد من خلال المحكمة الدولية لمنظومة ضمان اللامحاسبة.

هناك بند في وثيقة الوفاق الوطني-الطائف ومقدمة الدستور اللبناني المعدّل يتعرض لمغامرات ومقامرات: "لبنان وطن نهائي لجميع ابنائه"، ما يعني ان الحوار "الوطني" انتهى. هذا هو… "المعلوم"! لكن المسلمات ليست مسلمات مغامرين قديمين وجدد، الى ان يصطدموا، على حساب اللبنانيين وكل اللبنانيين…، بالمعلوم!

يمكن حصول تغيير جذري في لبنان في حال كارثة أو كوارث باهظة الكلفة، اعظم وأكبر واشمل مما حصل طيلة اكثر من خمسمائة سنة… لكن يمكن تجنّب الكوارث او الحد منها، "كي لا يعود التاريخ الأعمى"(5). هل يبلغ اللبنانيون سن الرشد السياسي فيدخلون، بعقلانية وواقعية وحكمة واقل كلفة، "في المعلوم"؟

•••

اية استراتيجية دفاعية للبنان بعد الاحتلالات والصمود والتحرير والمقاومة وقرارات الامم المتحدة والتدمير والاغتيالات والمعاناة والمزايدات…؟ تكمن هذه الاستراتيجية في البحث العملي في كل الجوانب التطبيقية والثقافية لقول الامام موسى الصدر الذي ينطبق تمامًا، من منظور مقارن، على الدول الصغرى في النظام العالمي اليوم: "ان سلام لبنان هو افضل وجوه الحرب مع اسرائيل…"(6).

(1) Hassan Saab, "The Rationalist School in Lebanese Politics", ap. Leonard Binder (1 (ed.), Politics in Lebanon, New York – London – Sydney, John Wiley, 1966, 345 p., 271-282
2) انطوان مسرّه، جذور وثيقة الوفاق الوطني – الطائف، بيروت، المؤسسة اللبنانية للسلم الأهلي الدائم، المكتبة الشرقية، 2007، 510 ص.
3) الجلسة النيابية في 28/2/2005.
4) النهار، 29/12/1998.
5) ملف ملحق النهار، 3/12/2006.
6) في حديث في القاهرة في 16/9/1976 في كتاب: يعقوب ضاهر (اعداد وتوثيق)، مسيرة الامام السيد موسى الصدر، حركة امل، هيئة الرئاسة، بيروت، دار بلال، 2000، 12 جزء، جزء 7، ص 98.

المصدر:
النهار

خبر عاجل