إعلام لبنان
في كل مرة يلتقي قادة سورية مع شخصية محورية لبنانية يُطرح موضوع الإعلام اللبناني و"ممارساته" على طاولة البحث، حتى صار الامر جزءاً من التراث السياسي الخاص بالعلاقات بين البلدين. ويتذكر كثيرون انه عند دخول الجيش السوري الى لبنان في العام 76 من القرن الماضي كانت واحدة من اولى المهمات الجسام التي تولاها هي الذهاب الى بعض الصحف المعارضة (للنظام آنذاك) وتحطيمها واقفالها، ثم استصدار قرار حكومي على شكل مرسوم اشتراعي بفرض الرقابة المسبقة على الباقي منها.
كان ذلك، طبعاً، قبل بدء ثورة الاتصالات بكل ابعادها، وتأثيرها المحوري الحاسم على الإعلام كصناعة واكبت العصر ورافقته وكانت مرآته، اي قبل فورة وثورة انتشار الفضائيات والانترنت والهاتف الخلوي… وانهيار "المعسكر الاشتراكي وعلى رأسه الاتحاد السوفياتي العظيم" وطلب كارل ماركس (ما غيره) تأشيرة دخول وهجرة الى سويسرا اولاً ثم الولايات المتحدة الاميركية ثانياً.. قبل كل ذلك كانت لدمشق عقدة كأداء اسمها الإعلام اللبناني، لم تعرف كيف تخرج منها ولم يعرف احد بعد كيف يساعدها على ذلك.
هل يُعقل هذا؟! قامت القيامة في طول الدنيا وعرضها وانهارت دول وامبراطوريات وبقيت تلك المشكلة مشكلة، بل زادت وتفاقمت في الآونة الاخيرة خصوصاً في السنوات التي سبقت ورافقت واعقبت جريمة اغتيال الرئيس الراحل رفيق الحريري.
الواضح تماماً، اننا امام واحد من احتمالين: اما ان النظام السوري خارج العصر ولا يعرف ما الذي حصل في هذه الدنيا، واما انه يعرف تماماً ماذا يحصل (وهذا هو الارجح) لكنه يحاول جاهداً ان يجعل محيطه نظيراً لنظامه والمحيط المقصود والوحيد هنا هو لبنان. وأبلغ دليل على ذلك هو لجوء القوى المؤيدة والحليفة له الى استهداف هذه الصحيفة واحراقها وحرق ارشيف تلفزيون المستقبل ومنعه من البث في غزوة السابع من ايار الماضي لبيروت وأهلها.
لقد جرب ذلك النظام كل شيء (كل شيء حرفياً) ولم ينجح، وسيستمر، على الارجح، في التجربة ولن ينجح لانه بكل بساطة تغيب عنه، ويُغيّب عن نفسه حقيقتين اساسيين لا ثالثة لهما حتى الآن. الاولى هي ان الإعلام السياسي مرآة (اولاً وثانياً وثالثاً) للواقع السياسي القائم. وطالما ان ذلك الواقع (بين البلدين) يخالف المنطق والتاريخ والجغرافيا فان الإعلام سيستمر في بث تلك الصورة ولن يتوانى عن ذلك. والثانية هي ان الإعلام اللبناني مرادف توأم للحرية في لبنان ولنظام العيش فيه بل هو جزء متمم للشخصية اللبنانية التي تهوى العيش والموسيقى والطرب والافلام السينمائية والسفر والسياحة والتعلم في الغرب واقتناء السيارات الحديثة والثياب الاحدث والاطلاع على عادات وثقافات شعوب الارض من ادناها الى اقصاها وغير ذلك من مترادفات الحياة العصرية.
الواضح بعد ذلك، ان لا مشكلة للنظام السوري الا مع الإعلام الحر، بل مع الحرية بالمطلق ومع العصر ولغته!.