الطائف بلا الطائف والدوحة بلا الدوحة
بمقدار ما كان خطاب الامين العام لـ"حزب الله" في الذكرى الثانية لحرب تموز هادئا وخاليا من الرصاص الجماهيري، انطوى على تسلل سياسي يحاول أن يستكمل تحت "وهرة" السلاح ما لجمه "إتفاق الدوحة" من انقلاب على الداخل، وينطلق من التأسيس لبند خلافي جديد يعتمد على تحوير في مندرجات هذا "الاتفاق" ويؤسس لجدل لاحق سيشتد كلما انجلى الموعد المأمول للعودة الى طاولة "الحوار الوطني".
فالأمين العام، وتحت شعار الحرص على وجوب تمثيل قوى يعتبرها "رئيسية واساسية" في الحوار الوطني، يعيد الأمور الى ما قبل طاولة الرئيس نبيه بري في مجلس النواب في آذار 2006، أي الى البحث في المقاييس التي تؤهل هذا الطرف أو ذاك للمشاركة، ويجعل الدرب الى تجديد الحوار مطاطا بالطول والعرض، فيتسع لكل من سمحت غزوة بيروت في أيار الفائت بخروجه من غبار الانسحاب السوري العسكري من لبنان عام 2005.
ينقض الأمين العام في إطلالته الاخيرة "إتفاق الدوحة" فيجعله مؤسسا لحوار جديد، فيما هو – أي الاتفاق – بني على قواعد طاولتي الحوار والتشاور اللتين أطلقهما حليفه رئيس مجلس النواب. ولعل العودة الى نص الاتفاق تحيي ذاكرة من قد ينسى – أو يتناسى – أن الراعي القطري، كما ورد في نص الاتفاق، دعا الى الدوحة "القيادات السياسية اللبنانية أعضاء مؤتمر الحوار الوطني" والتي تم "إطلاق الحوار في الدوحة" بمشاركتها "ويتم استئناف هذا الحوار (هذا اسم إشارة يحدد المعني) برئاسة رئيس الجمهورية…". أي لا حوار آخر ولا متحاورين جددا.
لا يكتفي الامين العام بنقض "إتفاق الدوحة" في الشكل، فيتعداه الى المضمون، وينتقل من التلويح بضرورة توسيع حلقة المتناقشين الى تأكيد العمل على توسيع المناقشات لتشمل ما سماه "استراتيجية وطنية لإعادة بناء الدولة"، وفي ذلك إغراق لموضوع الاستراتيجية الدفاعية في بحر من "الاستراتيجيات الشقيقة"، وسلب المؤسسات الدستورية ادوارها في رسم السياسات الوطنية من اقتصادية واجتماعية.
عمليا، يحرف الأمين العام "اتفاق الدوحة" عن نهجه من دون أن يعلن. بدأ ذلك بالتشكيلة الحكومية حين فرض حليفا من خارج التوازن السياسي القائم، ولا يفعل اليوم سوى استئناف هذا النهج وتوسيعه من "الدوحة" الى "الطائف".
فلقد اعتمد الامين العام، في خطابه الأخير، اللهجة الهادئة نفسها التي تبناها منذ اتفاق الدوحة، ونظف كلماته من اتهامات الخيانة والعمالة التي زين بها ادبيات "حزب الله" منذ "النصر الالهي" الشهير.
الواضح أنه لم يعد يحتاج اليها بعد اجتياح بيروت، وما يعمل عليه هو تثبيت ما يراه مكتسبات سياسية ومحاولة فرض معادلات جديدة على الارض تحت "وهرة" نصره الموعود على الداخل: هو مع "اتفاق الطائف" لكنه لا يريد لاستراتيجية إعادة بناء الدولة أن تكون قرار مؤسسات "دولة الطائف". وهو مع "اتفاق الطائف" لكنه لا يقر بسلطة "دولة الطائف" ويجعل أمن اللبنانيين رهن اتفاقات عدم اعتداء ثنائية مع هذا التيار وذاك التنظيم تمنح الأمان للجماعات بدل الأمن الذي يفترض أن تكفله الدولة اللبنانية، وتحل "وثيقة مار مخايل" مع "التيار الوطني الحر" (العوني) و"الوثيقة الاسلامية" مع بعض التيارات السلفية السنية محل القانون اللبناني الذي يصون حريات المواطنين وسلامتهم وسلامة ممتلكاتهم، ويصبح من واجب أهل عين الرمانة الصلاة لمار مخايل لأن الوثيقة الموقعة في كنيسته حمتهم من اعتداءات الشياح، بينما سيتوجب على أهالي باب التبانة والقبة أن يبتهلوا الى "الوثيقة "المنتظرة أن تحميهم من لعب الأصابع الخفية – المعلنة من نيران بعل محسن. وهكذا يصبح نكران عبارة "سلاح الفتنة" و"تحريم دم المسلم على المسلم" (كأن الوجه الآخر جعل الدم المسيحي حلالا على المسلم، والعكس صحيح عندها) مدخلان الى ذمية جديدة تستبدل سلطة الدولة التي دعا الحزب الى قيامها شرطا لانضوائه تحت لوائها، لكنه لا يألو جهدا في الحلول مكانها وبالمفرق.
يبدو أن ما يسعى اليه الحزب "القائد" هو إعادة تشكيل المجتمع والدولة، وبدل "أخذ "أي منهما بالجملة يفضل سحب كل منهما بالمفرق. وتحت عناوين براقة تؤكد التمسك بما أجمع عليه اللبنانيون، تفضح الوقائع سعيا الى إعادة تركيب المشهد اللبناني بعناوين تشي بالغيرة على الوطن والمواطنين، ولا تفضح – أو تحاول ألا تفضح – السعي المضمر الى قلب التوازنات والصيغة.