"المجلس الأعلى"… غير "مجلس التعاون"!
كان واضحاً، قبل زيارة رئيس الجمهورية ميشال سليمان لدمشق يوم الاربعاء الماضي، ان سوريا بشار الاسد متمسكة بالمجلس الاعلى السوري – اللبناني الذي نصت عليه معاهدة الاخوة والتعاون والتنسيق الموقعة عام 1991.
وكان واضحاً كذلك ان حلفاءها اللبنانيين متمسكون به ايضاً لاعتبارات عدة معروفة.
وكذلك كان واضحاً ان اخصام هذه السوريا، كي لا نقول اعداءها، كانوا متمسكين بإلغاء هذا المجلس وباعادة النظر في المعاهدة التي أنشأته وكل الاتفاقات التي نجمت عنه.
وكان واضحاً ايضا وايضا ان الرئيس سليمان كان ميالا الى بقاء المجلس الاعلى المشار اليه اعلاه ربما لانه ادرك، بسبب معرفته العميقة بالوضع اللبناني والموقف السوري والقيادات السورية، ان تخليه عنه سيعني قطعاً الحكم بالفشل على محادثاته في سوريا وكذلك على عهده وهو لما يزل في بدايته، كما سيعني تعريض الهدنة القائمة، على هشاشتها المفرطة، للخطر. وهذا الادراك الرئاسي اللبناني في محله، اذ ان اي طرح لموضوع المجلس الاعلى على مجلس الوزراء لحسمه سيعرض الحكومة الحالية الوليدة لاختبار قوة عسير يهدد بقاءها ومعها الوضع برمته.
طبعاً كثيرون من اللبنانيين لا يهتمون كثيراً بمصير المجلس الاعلى السوري – اللبناني، ذلك ان ما يهمهم هو استقرار الاوضاع الامنية والسياسية في بلادهم، وانعكاس ذلك على اوضاعهم الاقتصادية والحياتية والمعيشية والاجتماعية. ولا يمكن تحقيق هذا الهدف من دون علاقة سليمة و"ندّية" ومتكافئة مع سوريا وايضاً مميزة واخوية. وعلاقة كهذه يمكن ان تقوم وتدوم اذا كانت النيات طيبة عند حكام لبنان وشعوبه وعند الحاكم المطلق لسوريا منذ قرابة اربعة عقود. لكن معظمهم يعتقد انه كان على الرئيس اللبناني، الذي وافق "ندَّه" السوري وقبلَ القمة بينهما، على بقاء المجلس، ان يأخذ للبنان "شيئا" من الرئيس الاسد في مقابل ذلك. فهل فعل؟ وهل كان الاسد جاهزا للعطاء؟ لا احد يعرف. وحدها الايام ستكشف ذلك.
في اختصار انتهت القمة وبقي "المجلس الاعلى" ولا يبدو ان احداً من معارضي بقائه سيفتعل مشكلة بسبب ذلك، رغم ان بعضهم قد يستمر في اثارة هذا الموضوع بغية التشكيك في سوريا الاسد ونياتها اللبنانية.
هل التشكيك في نيات سوريا حيال لبنان مبررة؟
لا نريد ان ندخل في معمعة الجواب عن سؤال كهذا، مكتفين بان ممارساتها قبل الانسحاب من لبنان عام 2005، وبعد 15 سنة من الادارة او الحكم المباشر له لا تشجع على الوثوق بهذه النيات. ولكن لا يمكن الا التعليق على كلام قاله وزير خارجية لبنان فوزي صلوخ في المؤتمر الصحافي الذي عقده "ونده" السوري وليد المعلم بعد انتهاء القمة اللبنانية – السورية ولم ينتبه اليه احد من اللبنانيين، او ربما لم يشأ تناوله بالتحليل بغية استكشاف النيات السورية الحقيقية.
ماذا قال صلوخ؟ قال، ومن دون ان يسأله احد، ان لا ضرورة لاستغراب وجود المجلس الاعلى السوري – اللبناني لانه ليس وحيدا وهناك مجالس كثيرة مثله، وأعطى مثلا واحداً على ما قال هو مجلس التعاون الخليجي. وبهذا المثل كشف سيد الديبلوماسية اللبنانية، رسميا على الاقل باعتبار ان سادتها صاروا كثراً سواء من داخل او من خارج، انه إما يجهل طبيعة مجلس التعاون الخليجي ونظامه الاساسي والاهداف التي اراد مؤسسوه تحقيقها بواسطته، وإما انه يتجاهل ذلك. وكلا الامرين خطيران ولا يجوز ان يتحمل مسؤولية اي منهما وزير خارجية مسؤول حيال مواطنيه وفي "حكومة وحدة وطنية" هدفها مصالحة شعوب الداخل ومصالحة البلاد مع سوريا التي من دونها لا استقرار في لبنان.
ماذا يقول النظام الاساسي الذي انشأ مجلس التعاون؟ وما هي الاهداف التي يفترض ان يحققها وان من دون تحديد مهلة زمنية لذلك؟
ورد في مقدمة النظام المذكور: "ادراكا منها (اي الدول الاعضاء) لما يربط بينها من علاقات خاصة وسمات مشتركة وانظمة متشابهة اساسها العقيدة الاسلامية… واستكمالا لما بدأته من جهود في مختلف المجالات الحيوية التي تهم شعوبها وتحقق طموحاتها نحو مستقبل افضل وصولا الى وحدة دولها"… وورد في المادة الرابعة منه: "تتمثل اهداف مجلس التعاون بتحقيق التنسيق والتكامل والترابط بين الدول الاعضاء في كل الميادين وصولا الى وحدتها… وضع انظمة "متماثلة" في مختلف الميادين بما في ذلك الشؤون المالية والاقتصادية والتجارية والجمارك والمواصلات والتعليمية والثقافية والاجتماعية والصحية والاعلامية والسياحية والتشريعية والادارية…".
ويبدو من ذلك ان مجلس التعاون بالمعاهدة التي انشأته ونظامه الاساسي الموقع من اعضائه كلهم هو مشروع اقامة وحدة بين دوله الست. في حين ان معاهدة الاخوة والتنسيق والتعاون التي انبثق منها المجلس الاعلى اللبناني – السوري ليس فيها، كما ليس فيه، ذكر ان الهدف هو توحيد لبنان وسوريا رغم ان الممارسات القديمة والحديثة تدل على سيادة هذا الهدف عند سوريا الاسد من زمان وعلى الاصرار على تنفيذه سواء مباشرة او مداورة وعلى مدى طويل. فهل يعتبر صلوخ، وآخرون معه، الوحدة مع سوريا هدفا لبنانياً؟ وهل يقبل اللبنانيون، ورغم انقساماتهم الحادة والمعروفة، وحدة مع سوريا هم المنقسمون شعوبا والعاجزون عن العيش بحرية وكرامة بسبب انقساماتهم او تنوعهم الا في لبنان؟ طبعاً قد لا يكون لبنانيون كثيرون ضد الوحدات الكبيرة من حيث المبدأ لاسباب كثيرة ومتنوعة. لكنهم الآن كما شعوب عربية عدة يقفون ضدها بعدما كانت حلماً قبل عقود، لان التجارب اثبتت ان الوحدات الناجحة هي التي تعتمد الحريات والديموقراطية والحقوق المتساوية وعدم التمييز بين الاديان والطوائف والشعوب وهي التي تكون طوعية وغير اندماجية ولا يأكل فيها الكبير (الطائفي والمذهبي والامني و"القطري" والعددي) الصغير. والشعوب العربية كما الانظمة الحاكمتها ليست مؤهلة لذلك.
في النهاية نحن لا نرمي من وراء هذا القول الى التعرض للوزير صلوخ الذي نحترمه لانه طلع من "الصف" الى وزارة الخارجية ولانه "ململم" وغير مدع، ونحن نعرف ظروفه والتزامه خيارا او اضطراراً الجهات التي وزرته مرتين. بل نرمي الى لفته كي لا يقع في هفوة مماثلة، لان علاقات لبنان – سوريا بالغة الجدية ولا يجوز تناولها باستخفاف او "بتشاطر" كما فعل وزير خارجية سوريا في المؤتمر الصحافي نفسه. كما اننا لا نرمي الى التعرض للرئيس سليمان الذي دعمناه من زمان للوصول الى هذا الموقع بل الى لفته الى ضرورة معالجة هذا الموضوع بكثير من الصبر والحكمة وكذلك العزيمة والارادة بصرف النظر عن موازين القوى غير المتكافئة. اذ لا يكفي لطمأنة اللبنانيين الذين صدمهم البيان المشترك لقمته مع الرئيس بشار الاسد القول لهم "ان العبرة ليست في البيان المشترك بل في التنفيذ…" رغم ان كلاماً كهذا ينم عن اعترافه بان في هذا البيان ما يصدم فعلا.