الثقة بالرئيس سليمان.. ولكن من يثق بالنظام السوري؟
لم يطلق الرئيس الفرنسي حملته الايجابية باتجاه سوريا لو لم يتبادل مع الأميركيين نصيحة مفادها رفع الضغط على سوريا موقتاً مقابل أن تقوم هذه الاخيرة بخطوات متدرجة عنوانها تحسين ما خرّبته على مستوى العلاقات اللبنانية ـ السورية، والواضح حتى الساعة ان النظام السوري الذي يمر بساعات حاسمة في تاريخ سوريا بدأ يسدّد الفواتير ومنها موضوع التصفيات لعدد من رجالاته، وما ينسحب على لبنان، ينسحب على الداخل السوري، كون سوريا البعث وبقدر ما تورطت في الوحل اللبناني، وبقدر ما أقحمت نفسها في شؤون لبنان لدرجة ان أي تغيير في المنهج المتّبع من قبل هذا النظام سيكون له تداعياته وانعكاساته على الداخل وبالتالي سيدفع سوريا إلى مزيد من التوتر في وقت لم نشهد لدى هؤلاء أي حركات اعتراضية أو تململ منذ المجازر التي ارتكبها الرئيس الاسبق في حماه وحلب والتي اودت بحياة الاف من المواطنين السوريين "السنّة".
وسوريا التي اعتادت اعتبار لبنان جزءاً منها وتابع لقطرها، كما انها كانت تتعامل مع الجمهورية اللبنانية على اعتبار انها محافظة من محافظاتها، وهذا الامر عمره من عمر قيام الجمهورية العربية السورية عام 1945، اذاً المشكلة بين البلدين لم تبدأ مع النظام البعثي أو العلوي، بل هي قديمة ومترسخة في العقل الجيو ـ سياسي للسوريين، وليس صحيحاً أن سوريا أعلنت ما أعلنته من ترسيم حدود واقامة علاقات ديبلوماسية وغيرها من المواضيع برغبة وإرادة حرة نابعة من قناعة هذا النظام، ابداً، السوريون يناورون في هذه المرحلة، وهم يسعون لتقطيع الوقت وصولاً إلى بدء مرحلة التطبيع النهائي مع إسرائيل، ولعل توقيت المفاوضات بين النظام السوري ودولة إسرائيل جاء بالنسبة للسوريين، بمثابة خشبة خلاص في أدق مرحلة تمرّ بها سوريا، ولأن العالم كله وخاصة عواصم القرار الكبرى تعول على السلام بين الدولتين، ستتمكن سوريا في المستقبل القريب من استعمال هذا الملف ليس لاحداث الضغط انما لرفع الضغط عن كاهل نظامها الذي من الواضح انه بدأ يقترب من مرحلة الترهل.
وإذا كان الرئيس ميشال سليمان الذي انجز زيارته تلك بروح ايجابية، وهو يتمتع بكثير من المصداقية، ومن دون ادنى شك اولاه اللبنانيون ومحضوه كامل الثقة خاصة في كيفية تعاطيه مع سوريا، واللبنانيون يثقون برئيسهم وبمدى حرصه على نسج علاقة ندية من فوق الطاولة وبالتساوي بين لبنان وسوريا، ولكن الثقة المنعدمة من قبل اللبنانيين هي في هذا النظام البعثي، النظام الذي ما عادت طروحاته وعقيدته ونهجه تتوافق وتتطابق مع تركيبة النظام اللبناني الحر الليبرالي، فسوريا المتأخرة في كل المجالات من غير المنطق ان تعود بلبنان كما سابق العهود إلى ممارسة لعبة القاطرة والمقطورة، واذا كانت العلاقات الديبلوماسية يراد منها احداث مزيد من سياسات الالحاق التي اعتادها السوريون في تعاطيهم مع لبنان، فهذا يعني اننا انتقلنا من تحت الدلفة لتحت المزراب".. وتبديل النهج السوري تجاه لبنان، تغيير النظرة الفوقية من قبل البعث الذي لا يرى في لبنان سوى مقاطعة ملحقة بسوريا الكبرى، هذا هو صلب المسألة المتعلقة بين البلدين، وهذا التغيير يلزمه قناعة سورية نهائية ومطلقة بكينونة لبنان وبأن الجمهورية اللبنانية واقع لا مفر منه، وبالتالي على سوريا ان تقلع عن تكرار الاسطوانة اللازمة التي اعتادتها منذ عشرات السنين، ومفادها ان سايكس بيكو سلخ لبنان عن سوريا، أو ان تعود بنا إلى لازمة الاسطورة التي ينسجها السوريون حول احقية استرجاعهم للأقضية الاربعة التي يعتبرونها سلخت عنهم بفعل واقع الانتداب الفرنسي، وبفعل اعلان دولة لبنان الكبير.. هذه المسائل الشائكة والمعقدة والتي تعتبر من صميم الفكر البعثي لا بل من صميم الفكر السوري بشكل عام يجب شطبه من ذاكرة جغرافية سوريا وكتاب التاريخ الخاص بها والذي بسببه تتوسع رقعة الاطماع السورية بلبنان.
ان القمة اللبنانية ـ السورية الاخيرة ليست سوى بداية خجولة على مستوى وضع الملفات التي تعيق مسألة اطلاق ورشة العلاقات الصحيحة والصحية بين البلدين، والبداية يجب أن تنطلق من التسميات وعلى سبيل المثال لا الحصر يجب الكفّ عن تسويق عبارة العلاقات المميزة، فمن الغباء بمكان اطلاق هكذا عبارة بين بلدين لمم يعرفا الاستقرار طوال عقود من الزمن، ومن غير المنطق أن توصف علاقة لبنان بسوريا على انها مميزة في وقت ان الجيش السوري احتل لبنان لأكثر من ثلاثين سنة، ومن المجحف بحق لبنان ان نقول عن الجارة سوريا شقيقة في وقت لم تظهر هذه الدولة الجارة غير الشقيقة سوى الشقاء والدمار والقتل والحرق والمذابح والاغتيالات..
واذا ما قلنا هذا الكلام، لا يعني اننا لا نبتغي الود والطمأنينة والسلام، لا بل على العكس، نقول هذا الكلام لاننا حريصون على تأسيس علاقات طبيعية شأنها شأن اية علاقات متبادلة بين دولتين متجاورتين، فهل سمعنا يوماً ان بين فرنسا وبلجيكا مثلاً علاقات مميزة، وفي كل الاحوال متى كانت العلاقات طبيعية لا يعوزها أي توصيف كلامي او شعارات فارغة لا تقدم ولا تؤخر في طبيعة العلاقات الواجب ان تكون مثل أي علاقة تربط الدول بعضها ببعض، من هنا التشديد على أهمية كفّ السوريين عن لغة احمد سعيد التي هي اشبه بالضحك على الدقون، أو بمثابة تبويس اللحى.
اذاً سوريا على المحك في طريقة صوغها للعلاقات الجديدة مع لبنان، واذا كان نظامها الحالي الذي يلهث جاهداً لابعاد شبح الاتهام عن نظامه في قضية اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري، فهذا لن يمنع المحكمة الدولية من احقاق الحق والنطق بالحكم الذي سينال من المجرم اياً كان بمن فيهم النظام السوري الذي يهرب الى الامام منذ بدأت المحكمة في سيرها على سكة العدالة.
واذا كانت مسائل الترسيم والعلاقات الديبلوماسية وملف المعتقلين… إلى ما هنالك من مواضيع باتت تستوجب فك رموزها بعدما حولها النظام الجار غير الشقيق إلى لعبة أحاجٍ لعرقلة السلام الداخلي اللبناني وبالتالي إلى ابقاء الاستقرار الامني هشاً لغايات في قلب سوريا، فهذا لا يعني ابداً ولا يجب ان يؤدي في نهاية مطاف العلاقات اللبنانية ـ السورية إلى اي نوع من أنواع المقايضات على حساب كشف القتلة والمجرمين، وهنا الامتحان الكبير للبنان حكومة ورئاسة وشعباً: ماذا لو صدر الحكم عن المحكمة الدولية بحق النظام السوري؟
هل سيبقى لبنان على موقفه من سوريا في حال تم الحكم عليها؟ اسئلة تترك لمصير المحكمة الدولية ان تدلنا على طريق الجواب الشافي، ولن نستبق اي قرار بغض النظر عن الموقف السياسي من سوريا، حتى الترجمة الفعلية سنترقب النوايا السورية.. على الرغم من يقيننا بالنتائج.. الا اننا نعول على حكمة الرئيس سليمان وحرص رئيس الحكومة فؤاد السنيورة، ومن يمثلنا في الحكومة من وزراء قوى 14 آذار.