على الحافة
جديد وزارة البيئة
كيف سيتعامل وزير البيئة الجديد مع الملفات البيئية الاساسية والتاريخية في لبنان، أثناء الفترة القصيرة من ولايته التي تمتد حتى الانتخابات النيابية المقبلة؟
هو السؤال الذي يتبادر الى الذهن بعد التسوية التي حصلت في الدوحة وتشكيل الوزارة الجديدة.
هل سيكون وزيراً حزبياً للعمل السياسي، يحول الوزراة الى العمل الانتخابي، في الموسم القادم؟ أم سيكون وزيرا فعليا للبيئة، يتفرغ لمتابعة ملفاتها، الكثيرة والكبيرة، الشائكة والخطرة، والتي تتعلق بمستقبل ديمومة الموارد والحياة في لبنان؟
ان مراجعة سريعة للائحة الزيارات والاجتماعات والمواعيد في الوزارة، منذ التعيين وحفل التسلم والتسليم، تدل انها في غالبيتها، "بيئية"، أكثر منها "سياسية"، حتى الآن. وهي تشكل مؤشراً إيجابياً نسبياً وأولياً.
ككل وزير جديد غير مختص، لم يكن على دراية في الملفات البيئية الرئيسية في لبنان، في العمق، يمضي الفترة الاولى في الاستماع واستمزاج الآراء في الوزارة وخارجها. عدم الاختصـاص والإلمام، ليس في مصلحة البيئة بالطبع، ولكن التواضع وقلة الادعاء والنظافة، يمكن ان تعـض قلـيلا. المهم التنبه والتمييز بين آراء "خبراء" القطاع الخاص الذي يبتغي الربح، وتسويق "تقنــياته" في المعالجة، وآراء الخبراء في الوزارة وخارجها، والتمييز بين تلك المجردة منها، وتلك المرتبطة بمشاريع مالية، خارجية كانت أم محلية. كما التمييز بين جمعيات اهلية بيئية تبغي الربح، او تبغي السياسة التقليدية، وتلك التي تهدف الى حماية البيئة، ووضع السياسات المتعلقة اللازمة كأولوية.
ولعل العلاقة الاصعب، هي مع المدير العام للوزارة، الذي تختلف حوله الآراء بشكل حاد، والذي طالت ولايته لاكثر من تسع سنوات، حتى بات متمكنا، اكثر من اي وزير، يأتي من خارج "كار" البيئة، ولفترات صغيرة، فيستطيع ان يمرر "آراءه" بشكل لبق لا يخلو من "علم"، ومن اشياء اخرى. صحيح ان هناك العديد من الملفات والشكاوى حول المدير العام، لا تزال "عالقة" في التفتيش المركزي منذ اكثر من سنتين، وقد تأخر كثيرا رأي التفتيش، حتى جاء من يتوقع عدم صدور شيء قبل الانتخابات النيابية المقبلة ايضاً… لكن الوزير انطوان كرم بدا متفهماً سريعاً لهذه المعادلة، وقد قرر التعاون مع المدير العام نفسه، وفتح صفحة جديدة في سجل الوزارة … مع غض النظر عن المرحلة السابقة.
لا يبدو متحمساً للاستعراضات الاعلامية. لامه البعض لماذا لم يظهر على الشاشات أثناء اشتعال الحرائق في لبنان، ولماذا لم يطرح وجهة نظر وزارة البيئة في الموضوع. لدى الوزير كرم، كما عبر لـ"»السفير"، وجهة نظر مختلفة، إذاً يفضل ان يقترح شيئا عمليا في مجلس الوزراء. وهو يعد لمشروع اقتراح لتعيين وتدريب وتوظيف "مغاوير النار"، من عناصر شابة من الدفاع المدني لا يتجاوز عددهم خمسين عنصراً، تكون مهمتهم اقتحام الغابات والتدخل السريع لاخماد النيران. صحيح انه عبر هذا الاقتراح، يظهر على قناعة ضمنية بعدم فعالية الدفاع المدني، الا ان المسألة اعقد بكثير، وتتطلب ادارة مختلفة للغابات تقوم على تحديد المسؤوليات والمراقبة والوقاية والمحاسبة.
حول موضوع المقالع والكسارات، يفكر كرم في التقدم باقتراح لمجلس الوزراء، بعد ان عبر وزير الداخلية زياد بارود عن ترك الملف لوزراة البيئة، يقضي بالتمديد للمقالع والكسارات لفترة اشهر محدودة، على ان يتم الانتقال بعدها إلى الأماكن التي حددتها دراسة المخطط التوجيهي الاصلية التي اعدتها دار الهندسة، وقبل ان يتم التلاعب بها في العهود السابقة. وحول الاقتراح المتعلق بإعطاء الأولوية للاستثمار في مشاعات الدولة او في الاملاك العائدة لمصرف لبنان، يبدو كرم مندهشا من السؤال الذي لم يخبره عنه احد بعد من العاملين في الملف في الوزراة. وكذلك الامر بالنسبة لاقتراح مشروع القانون، الذي يتطلب وقتاً.
يراهن الوزير على الجمعيات الاهلية البيئية، وهو يحضر لاقتراح اتفاقيات شراكة مع الجمعيات لتكون عيون الوزارة في المناطق، مبديا استعداد الوزارة للادعاء على المخالفين والملوثين، طالما لا يسمح القانون حتى الآن للجمعيات بالادعاء. كما يدرس مع وزير العدل تعيين مدعين عامين بيئيين في المناطق.
ككل وزير جديد، يبدو مستعجلاً لتسجيل انجازات وتقدم ما في معالجة الملفات. انما يبدو أن أحدا لم ينصحه بعد، بأن هذه المعادلة قد تصح في وزارات اخرى، غير البيئة. في هذه الوزارة، ربما عليه ان لا ينجز اي مشروع، وخصوصا تلك التي تحمل صفة "الدولية" منها، والتي لا تتناسب كثيراً مع الاولويات والحاجات الوطنية.
قد تتطلب البيئة الآن، ان يكون وزيرها "محافظاً"، يسعى الى الحماية ووقف الهدر والتشويه والتلويث عند الحدود التي وصل اليها. فملف المقالع والكسارات يحتاج الى قانون وثبات في التشريع وحصر الاستثمارت في اماكن محددة، ولا نعتقد بأن انجاز هذا القانون وارد الآن، كما هو ظاهر من الادراة الحالية للبلاد والعباد. وكذلك الأمر بالنسبة الى ملف النفايات الذي يحتاج الى استراتيجية وقانون… بالاضافة الى المراسيم التنظيمية والتطبيقية لقانون البيئة، التي طال انتظارها.
وطالما ان هذه الوزارة لا تزال منذ إنشائها، تعمل من دون فلسفة واستراتيجية تحدد على اساسها الاوليات والوجهة والخيارات… فلا نستطيع ان نأمل كثيرا من وزير الاشهر المحددة، اكثر من ان يكون محافظا، باحثا عن الاستراتيجية المطلوبة لوزارته وللبيئة في لبنان.