#dfp #adsense

من يستهدف طرابلس؟

حجم الخط

من يستهدف طرابلس؟

يا نفس دنياك تخفي كل مبكية
وإن بدا لك منها حسن مبتسم
(نهج البردة ـ أحمد شوقي)

السلفية تعبير يصف تياراً اسلامياً واسعاً وليس تجمعاً أو فئة اسلامية محددة. انها تشمل الكثير من الحركات والمفكرين الاسلاميين الذين يدعون إلى الأخذ بنهج السلف الصالح والتمسك بالأحاديث الصحيحة ورفض الأدبيات المذهبية والابتعاد عن المداخلات الغريبة عن روح الاسلام. ويمكن الاستنتاج من تنوع الحركات وتعدد المفكرين المشمولين في منهاج الفكر السلفي أن هذا التيار يحكمه التنوع في توجّهاته وفقاً لفهم المجتهد أو الداعي. وأبرز دعاة هذا الفكر تاريخياً هم محمد بن عبد الوهاب (الوهابية) وعبد العزيز بن باز وابن عثيمين.

ولكن هذه الدعوة اعتبرت عند بعض المجتهدين أنها امتداد لدعوة "ابن تيميه" وبالتالي تلغي المذاهب الفقهية وتلغي حق الاجتهاد والاستنباط مباشرة من القرآن والسنة.

ولكن أهم مظاهر الدعوة التي توصف بالسلفية كانت قد ظهرت على يد مجدّدين أرادوا تحرير الأمة الاسلامية من كوارث "التعصب المذهبي"، وهذه الشخصيات لم ترفض الاجتهاد بالمطلق ولكنها شددت على التركيز على البحوث الشرعية. من أبرز اعلام السلفية الاجتهادية هم: رشيد رضا ومحمد عبده وعلال الفاسي وفي عصرنا يوسف القرضاوي ومحمد الغزالي.

ولكن صفة السلفية أصبحت ترتبط بالتزمّت والالتزام المتشدد بالنص الشرعي مع رفض كل اجتهاد واعتبار أي خروج عن هذا الخط بدعة وهذا التوجه ما هو الا تعبير عما يسمى بالسلفية النصية وأبرز اعلامها الوهابية.

وقد تبنى لاحقاً بعض اعلام هذه المدرسة الفكر السياسي الجهادي وضم هذا التوجه مجموعات شتى تحت عنوان اسمه "السلفية الجهادية". وقد وضعت بعض الجماعات الفوضوية والإرهابية نفسها تحت شعار "السلفية الجهادية" مع ان معظم المذاهب السلفية تؤكد على ان هذا التوجه يخالف ما كان عليه السلف الذي يعتمد الاعتدال والوسطية حيث لا تكفير ولا تفجير.

لم يعد خافياً على أي من المراقبين أن النظام السوري كان ولا يزال يستعمل ملف التطرف الاسلامي في مساوماته على ملف بقائه في السلطة مع الدول الغربية على مدى ثلاثة عقود مضت. وقد حاول هذا النظام وضع كل الحركات السياسية الاسلامية في سلة واحدة ابتدأها في الأساس ليبرر المذبحة التي نفذها في حق المعارضة الاسلامية السورية.

وقد نجح هذا النظام في تحييد الرأي العام العالمي ودفعه إلى تجاهل مجازر مدينة حماه وما رافقها من اعمال إبادة جماعية في حق المواطنين.
وبناء على هذا "النجاح" فقد استمر النظام في سوريا في استعمال هذا الموضوع لتبرير قمعه الحريات ولإيهام الغرب بأنه يخوض معه معركة مشتركة ضد ما اصبح عنوانه الإرهاب الاسلامي والذي صار مرادفاً للأصولية أو السلفية بتواطؤ مخابراتي واعلامي.

ولم يكتف النظام السوري باستعمال هذا الملف في الداخل السوري فطوره للاستخدام كوسيلة لاستمرار هيمنته على لبنان ولتغطية البطش المفرط الذي استعمله في مواجهة المجموعات التي عارضته في لبنان وكانت ذات توجهات اسلامية كما حدث في مدينة طرابلس بين سنتي 1983 و1986. كما ان أجهزة المخابرات لم تتوقف عن التغاضي وحتى تشجيع وأحياناً تفريخ المجموعات الإرهابية ذات الشعارات الجهادية ومن ثم الإيقاع بها وبيعها لاحقاً. وقد كانت قضية مجموعة الضنية سنة 2000 احد ابرز أمثلة هذا التوجه عندما تغاضت الأجهزة الأمنية عن بداية هذه المجموعة ومن ثم جردت حملة تخويف وترهيب من قبل هذه الأجهزة مما دفع العدد الأكبر ممن شاركوا في هذه الأحداث إلى اللجوء إلى المجموعة. هذا بالإضافة إلى قضية مجموعة مجدل عنجر لاحقاً.

اما بعد اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري فلم تتوقف وسائل الاعلام السورية عن محاولاتها لصق تهمة الاغتيال بالأصولية الاسلامية، وسمعنا وزير الخارجية ودعاة هذا النظام يستجدون تعاطف الغرب معهم في الحملة ضد ما سموه "بالعدو المشترك".

ومن منا لا يذكر مسرحيات المجموعات الإرهابية التي هاجمت في أكثر من موقع في دمشق ومحاولات الاعلام السوري التأكيد على ان سوريا هي نفسها ضحية الإرهاب الاصولي وان النظام القائم هو نظام علماني وبالتالي يساهم في منع الأصولية من السيطرة على المنطقة، وقد سمعنا الترداد الدائم عن التعاون الذي اثبتته أجهزة المخابرات السورية مع الولايات المتحدة الاميركية في قضية الإرهاب.

ولكن وفي نفس الوقت كانت أجهزة هذه المخابرات تستقبل المئات من المتطوعين تحت شعار الجهاد في العراق والذين تم تجيير قسم منهم إلى لبنان وهكذا تم بناء قضية "فتح الاسلام".

وبالعودة إلى هذه القضية، فعلى الرغم من ان معظم عناصر هذه المجموعة قد تجمعوا في مخيم نهر البارد تحت شعارات جهادية، ولكن قائد هذا التنظيم كان قد تم فصله عن تنظيم فتح الانتفاضة لإنشاء وقيادة هذه المجموعة وتم تسليمه مخازن الأسلحة التابعة لتنظيمه الاصلي في المخيم، والمعروف ان هذا الفصيل الفلسطيني كان قد تم شقه عن منظمة فتح تحت اشراف المخابرات السورية سنة 1982.

لقد كان مطلوباً سوريا ان تحول "فتح الاسلام" منطقة الشمال إلى إمارة اسلامية لن يكون احد قادر على مواجهتها غير تدخل سوري مباشر، ولولا الشجاعة الكبرى التي ابداها الجيش اللبناني والتضحيات الجسام رغم الخطوط الحمر التي رسمت له، لأصبحت هذه الامارة واقعاً، ولكان سيناريو 1976 تكرر.

ولم يعد خافياً على احد اليوم الحملة المستمرة منذ السابع من أيار لإحراج السنّة في لبنان ودفعهم بشكل مستمر باتجاه ردات الفعل المتطرفة واستدراجهم إلى رفع شعارات عنيفة توحي بأن زمام المبادرة أصبح بيد المجموعات ذات التوجهات المشابهة لتنظيم القاعدة.

كما ان الاحباطات المتكررة من موقف القوى الأمنية والجيش ساهمت بشكل واضح في تشكيل رأي عام مشكك بالشعارات التي التزم بها معظم سنة لبنان على مدى السنوات الماضية وهي مرجعية الدولة والابتعاد عن الأمن الذاتي. كما ان هذا الوضع يترافق مع حملات اعلامية من قبل الصحف ومحطات التلفزيون المرتبطة بأجهزة المخابرات السورية التي تحاول اظهار مدينة طرابلس على أنها "قندهار" لبنان. في هذا السياق يجب فهم أسباب التفجير الإرهابي الذي حصل منذ ايام وذهب ضحيته مجموعة من العسكريين في محاولة لوضع مدينة طرابلس في مواجهة القوى الشرعية، ولكن قدّر للشهداء وكما حدث في بداية احداث نهر البارد، أن يكونوا من ابناء طرابلس وعكار ومعظمهم من السنة، وهذا الواقع قد يساهم في احباط مخطط تحوير المدينة والشمال بشكل عام عن الخيار السياسي الذي اختاروه منذ اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري.

صحيح ان استمرار الضغط الأمني والاقتصادي مضاف إليهما الوضع الاجتماعي المتردي اصلاً قد يشكلان عوامل خطيرة في هذا الإطار، ولكن طرابلس خاصة والشمال عامة وقد عانوا الأمرّين في زمن الاحتلال السوري، لن يتركوا المجال لفتح الباب ليكرّر التاريخ نفسه.

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل