ماذا يخشى نجاد… لماذا يقلق نصر الله؟
الخبر السار لدول «الممانعة» في المنطقة ان الدب الروسي استفاق من «خموله» أخيراً، فيما عرّاب الكرملين أو مرشد العهد الجديد فلاديمير بوتين يبتهج لنجاح خلفه ميدفيديف في اجتياز أول اختبار للقوة، ضمن خطوط إحياء العقيدة العسكرية التي وعد بها السلف، أمة الروس.
في القوقاز، صفعة مدويّة لأميركا، لن يودع الرئيس جورج بوش البيت الأبيض بهدوء… وكلما انتكست صورة الولايات المتحدة ونفوذها في العالم، ابتهج «الممانعون»، ولكن…
لو صحّ، افتراض ان الحرب الروسية – الجورجية وارتداداتها، نسخة معكوسة عن أزمة خليج الخنازير (1961)، وأن الدرع الصاروخية الأميركية في «الملعب» الخلفي للفضاء الروسي هي ثأر تاريخي لصواريخ خروتشوف في كوبا، فالصحيح ايضاً ان الاختلالات الكبرى في معالجة الأزمات الإقليمية والدولية، فاقمها الغباء في تعامل إدارة بوش مع الصراعات، والبؤر الملتهبة، بالتهديد وبالعصا الغليظة.
اخطأت جورجيا باستفزاز الكرملين، قدمت له الفرصة الذهبية التي كان يتحيّن التقاطها لتوجيه رسالة قاسية الى واشنطن، رداً على غدرها (الدرع الصاروخية)، بعد عهد «شراكة» في مرحلة بوتين، ظنت الولايات المتحدة انها كفيلة بتخدير الدب الى الأبد، أو تحويله الى قطة يرعاها الغرب بعدما «أنقذها» من الإفلاس والانهيار الاقتصادي الكامل. اما الغدر فبالزحف التدريجي لتطويق القوة العظمى سابقاً بالقواعد العسكرية الأميركية، ومراكز التنصت والتجسس، ونخر المؤسسة العسكرية الروسية بعد إضعافها، لتحويل موسكو الى مجرد تابع للحلف الأطلسي.
لعل ذلك يُلخِّص رؤية «المرشد» بوتين للمبررات المشروعة لاستعادة «مجد» القوة «السوفياتية»، على الأقل بما يكفي لوقف «الزحف الأطلسي» الى الحدود الروسية، وإثارة المتاعب مجدداً للأميركيين في البؤر التقليدية للنزاعات الدولية، خصوصاً في الشرق الأوسط والخليج… بإحياء سياسة المحاور والأحلاف التي كانت من مظاهر الحرب الباردة (الحروب بالوكالة).
لن يكون، إذاً، وداع هادئ للرئيس جورج بوش الذي سجّل باعتراف الأميركيين أعلى معدل لإخفاقات السياسة الخارجية للولايات المتحدة، وبدأ عهده بحربين، ليواجه في نهايته صفعة حرب القوقاز، ويقف عاجزاً عن حشد صفوف الحلفاء في «الأطلسي» وراء رغبته في ليّ أُذن الدب «المتمرد» على «القانون».
بديهي ان من المبكر الحديث عن نهاية وشيكة لتداعيات الخطأ القاتل الذي ارتكبته جورجيا في قراءة التحولات الروسية التي تلت تململ «المرشد» بوتين في السنة الأخيرة من ولايته الرئاسية، وبدء الكرملين العزف على أوتار «الإذلال» الأميركي للروس… والمعضلة التي تعني الأميركيين والأوروبيين وحزام الأزمات في الشرق الأوسط، أن كلما ازدادت خيبات بوش وكآبته، وشماتة الروس وبهجتهم بتجريب العضلات بعد «خمول» مديد، وصفقوا لهم في المنطقة بعدما استفرد بهم الظلم الأميركي ومشاريعه، كلما باتت أكلاف خطأ الحسابات باهظة.
ساحات أخرى للتجريب وتصفية الحسابات تنتظر، أليس بينها الصراع مع إيران على برنامجها النووي وطموحاتها الإقليمية وانتزاع دور يتحكم بالشريان الحيوي لإمدادات الطاقة؟… أليس بينها ايضاً ساحة الثأر الإسرائيلي من هزيمة حرب تموز (يوليو) 2006؟ ومن البرنامج النووي ذاته الذي ينتزع من الدولة العبرية ورقة احتكار «الردع النووي» في المنطقة؟
تصفق طهران مجدداً لحليفها الروسي الذي لطالما لجم تدحرج الضغوط والعقوبات الدولية عليها لئلا يتكرر السيناريو العراقي فيطوّق الأميركي وحلفاؤه في «الأطلسي» روسيا من الجنوب. ولا تخفي دمشق شماتتها بواشنطن لأن الكرملين بات أقوى بعد اختبار القوة في القوقاز، وممانعته أمام الدرع – الخديعة.
ولكن، في مرحلة الوداع الصاخب لبوش، مَن يفتش عن العلاقة بين الثأر الروسي من الخديعة الأميركية، والإلحاح الإسرائيلي المفاجئ على الثأر من هزيمة تموز والتحضير لحرب المدن، فيما أولمرت يعدّ حقائبه لتوديع الحكم؟
لماذا يخشى محمود احمدي نجاد «فجأة» سيناريو حرب إسرائيلية أو أميركية في ربع الساعة الأخير من عهد الرئيس الذي لم يستمع الى «نصائحه» حول إدارة دفة العالم؟ ألم يكن هذا القلق مرافقاً الرئيس الإيراني في زيارته اسطنبول؟
لماذا يقلق الأمين العام لـ «حزب الله» السيد حسن نصرالله من «الأعاصير الآتية على العالم والمنطقة»، ويختار لغة التهدئة والحوار والتعاون مع الجميع كي «يصمد» لبنان؟
الصفعة القوية في القوقاز كيف نكأت جروح هزيمة تموز؟… في الارتدادات، حسابات الوداع الصاخب لبوش، مفتوحة على الأخطاء القاتلة.