للتذكير!
انتهت مراسم تأليف الحكومة ونيل الثقة على اساس بيان وزاري تسووي انتزع بموجبه "حزب ولاية الفقيه" شرعية لسلاحه الذي تحول نحو الداخل في السابع من ايار الفائت. وجاءت القمة اللبنانية – السورية التي اعتبرها الرئيس ميشال سليمان بداية الطريق لتؤكد مرة جديدة ان لا تغيير حقيقياً في النهج المقيم في دمشق حيال لبنان، وان السلوك السوري لا يزال على حاله من سعي دؤوب لتقويض الاستقلال اللبناني بشتى الوسائل، والتعامل مع بلاد الارز (وللاسف برضى البعض من اهلها) باعتبارها كياناً ناقصاً او تابعاً. وقد كانت النتائج المتواضعة لا بل السلبية في العموم انعكاساً لسياسة لا تتبدل ولن تتبدل قبل ان تتبدد العقد المستحكمة في القيادة السورية. فقضية المعتقلين والمفقودين في سوريا جرى تكبيرها لتشمل المفقودين السوريين في لبنان في محاولة لشطب آثار اكثر من ثلاثين عاماً من الوصاية التي لامست الاحتلال، فضلاً عن انها أتت لترفد سلوكيات "حفاري القبور الجماعية" في لبنان العاملين بلا هوادة على نبش كل الاحقاد بين اللبنانيين، وتحريك السكاكين في الجروح القديمة، وكأنهم لا يعتاشون إلا على الانقسام، والحقد، والتنابذ، وصولا الى غرس التخلف في العقل اللبناني كلما خرج الأخير من كهوفه متحرراً من إرث الماضي السيىء!
في مطلق الاحوال انتهت مرحلة أولى من اتفاق الدوحة لتبدأ الآن مرحلة الاعداد الجدي للحوار الوطني.
بداية وقبل الخوض في بعض جوانب الحوار المشار اليه نسارع الى القول ان الحوار في لبنان على اهميته كبديل من العنف الكامن في كل مكان، ميؤوس منه ما دام السلاح باقياً بيد "حزب ولاية الفقيه"، وما دام هذا الحزب مستمراً في مشروعه الرامي الى الغاء لبنان الكيان والنظام والصيغة، لابداله بلبنان تهيمن عليه وعلى التنوع فيه حالة مسكونة تارة بالغيب، وتارة اخرى بأجندة خارجية لن تحمل للبنان والشرق العربي سوى مزيد من الحروب والمآسي. من هنا يأس كثيرين من حوار مع رافعي السلاح في وجه اللبنانيين، وهؤلاء لا يؤخذون بـ"تحيات" لفظية لا تعكس عمقاً في الشعور ولا جوهراً في السياسة.
وبالعودة الى طاولة الحوار برئاسة رئيس الجمهورية، تعود المماطلة عبر بوابة التوسيع، اذ يراد اغراق الطاولة بهامشيين من الطوائف التي يُعمل على اختراقها، لتفتيتها، ولضرب مقاومتها مشروع الهيمنة. فكما جرى قبل يومين تخريج "وثيقة تفاهم" طريفة مع بعض الجهات السلفية في طرابلس ثم سقطت، يُراد اقحام جهات هامشية في التنوع اللبناني محمولة إما بمال نظيف، وإما بتبعية مخابراتية سورية موصوفة، من أجل جعل الصوت الاستقلالي في لبنان اصواتاً متناحرة ومتقاتلة تفسح في المجال أمام مشروع الهيمنة المسلحة والثقافية ليرسخ اقدامه أكثر فأكثر، مبعداً عنه شبح المحاسبة الوطنية المشروعة التي لا بدّ من ان تطرح يوماً ما في وجه من ورطوا لبنان في حروب مدمرة عام 2006، وناصروا قتلة شهداء الاستقلال منذ 2005، ورفعوا السلاح في وجه مواطنيهم في بيروت والجبل والبقاع والشمال منذ أيار 2005. فإذا كانت موازين القوى الراهنة في غير مصلحة الاستقلاليين، فإن هذا لا يعني على الاطلاق القبول بالأمر الواقع، ولا الرضوخ لاحتلال العاصمة والمدن وأعالي الجبال. ويبقى حتى اشعار آخر سلاح الموقف الاستقلالي قوة في حد ذاته لا بد من التمسك به.
في مؤتمر الحوار الوطني الهادف في المبدأ الى حل الخلافات بين اللبنانيين، يتحدر كل خلاف فعلي في البلد من واقع قيام دولة ضمن الدولة، وسعيها لا الى حكمها انما الى الحكم بها بما يجنبها مسؤوليات كبيرة وجسيمة. وهنا جوهر الأزمة اللبنانية ليس إلا.
واقع الحال انه ما لم يستجمع الاستقلاليون قواهم، ويعيدوا انتاج وحدتهم وتماسكهم وموقفهم لوقف مشروع الدولة ضمن الدولة، وحصر السلاح في يد مرجعية الدولة الشرعية وحدها من دون شريك، فلن تقوم للبنان قيامة، وستبقى الهدنة هشة، بمعنى انها ستبقى مجرد وقفة بين غزوة وغزوة! هذا للتذكير.