دمشق دخلت باريس بعد المفاوضات مع إسرائيل وطلبها السلاح الروسي لتقوية موقفها التفاوضي
الأسد يتودّد الى موسكو طلباً "للزواج" من واشنطن
دعوة الرئيس بشار الأسد روسيا لتأخذ "موقف القوة العظمى لأنه بعدها ستفشل جميع محاولات عزلها"، دعوة فيها الكثير من "سخرية الأقدار وانقلاب الأدوار". موسكو ليست بحاجة لنصائح ولا للتحريض للعب دور معين يتناول استراتيجية أمنها القومي، ولا دمشق في موقع قادرة فيه على إعطاء الدروس، حتى ولو أنها نجحت في تجاوز أزمة أدت إلى خروجها من حضانة المجتمع الدولي لها لمدة طويلة.
عودة الدب الروسي
فلاديمير بوتين "قيصر" روسيا، انتظر على مثال "الدب الروسي" مرور صقيع العزلة لعشر سنوات، حتى عاد الدفء إلى أوصاله بسبب إعادة تأهيل الدولة الروسية وإسقاط السارقين وهبوط نعمة ارتفاع أسعار النفط عليه، لكي يتحرك ودائماً في الوقت المناسب، دون افتعال انتصارات وهمية. "القيصر" الروسي يعرف جيداً ان الانتصار في جورجيا يعيد بعض الهيبة لروسيا، لكنه لا يعني مطلقاً ان روسيا صعدت إلى قمة السلم دفعة واحدة للدخول في "حرب باردة" جديدة ضد الولايات المتحدة الأميركية. يوجد فرق كبير بين أن يستيقظ "الدب" وأن يبدأ بالمواجهة والتحدّي. موسكو ليست في موقع الدخول من جديد في سباق تسلح مكلف يسحب من يد الروس الذين عانوا ما عانوه بعض مكتسباتهم اليومية التي مهما كانت مهمة بالنسبة للماضي ما زالت محدودة جداً.
طبعاً، من مصلحة الرئيس السوري أن تعود موسكو "للرقص" على ضفاف البحر المتوسط، فهذا يقوّيه ويقوّي دمشق. وهذا كله مطلوب سورياً وعربياً. أن تقوى دمشق ويصبح بإمكانها الاطلالة على العدو الإسرائيلي من موقع القوة يفيدها ويفيد العرب ولبنان من بينهم. لكن أيضاً أن تعود سوريا وأي دولة أخرى في المنطقة إلى نزاعات حرب باردة جديدة لن ينفع أيضاً العرب ولا قضاياهم من العراق إلى فلسطين.
الاستقواء بموسكو التي بدورها بحاجة إلى الاستقواء بأي قوى اقليمية، مفيد جداً لأن التبادلية فيه تفرض نوعاً من التوازن وعدم الاستتباع الكامل. لكن أن ينتج ذلك العودة إلى زمن إقامة القواعد البحرية أو العسكرية البرية فيه الكثير من الخطر المرفوض جملة وتفصيلاً. كذلك أن يصبح أي جزء من المنطقة وأساساً سوريا جزءاً من منظومة درع صاروخية روسية رداً على المنظومة الأميركية، يدخل المنطقة في صراعات ومواجهة غير محدودة الأخطار لأنها تعني أساساً التموضع في جبهة معادية للحلف الأطلسي الشمالي كله.
يمكن لأي طرف أن يفهم ويتفهّم رغبة الرئيس بشار الاسد في إعادة تحديث وتسليح الجيش السوري الذي لم يعرف قرقعة السلاح طوال ثلاثين سنة إلا فوق الأراضي اللبنانية وضد أطراف لبنانية وقوى فلسطينية ولمرة واحدة محدودة مع الإسرائيليين في عزّ حرب 1982 التي انتهت فيما بعد في طرابلس بتصفية ما أطلق عليه "الوجود الفلسطيني العرفاتي" في لبنان.
عملية إعادة التسلح بأفضل أنواع الصواريخ المضادة للطائرات وايضاً الطائرات الحديثة، ممكنة الآن أكثر من أي وقت مضى لأن إسرائيل دخلت في خصومة مباشرة مع روسيا عندما ساهمت في تسليح جورجيا ودرّبت قواتها. لكن السؤال هل موسكو مستعدة الآن لمواجهة كاملة مع إسرائيل مهما بلغ غضبها منها لتفتح مخازنها وتعطي لدمشق ما امتنعت ان تعطيها إياه قبل ذلك؟.
لا يبدو أن موسكو مستعدة للتعامل مع إسرائيل معاملة "العين بالعين والسن بالسن"، لأن ذلك يعني بطريقة غير مباشرة الدخول في مواجهة مع واشنطن وهو ما لا تريده الآن، لذلك مهما بلغ الحماس الروسي لقبول طلبات سوريا العسكرية، فإنها لن تقلب موقفها بنسبة 180 درجة وبهذه السرعة ويمكن لموسكو أن تؤذي إسرائيل أكثر وبهدوء ودون إثارة في مواضع كثيرة، فلماذا العجلة إذن؟.
توازن القوى
أيضاً موسكو تعرف جيداً ان الرئيس بشار الأسد وإن كان من حقه وواجبه التحضير للحرب وكأنها واقعة غداً مع إسرائيل، إلا أنها أيضاً متأكدة بأن الرئيس الأسد الذي يتفاوض مع الإسرائيليين في تركيا بطريقة غير مباشرة، يريد تقوية موقعه التفاوضي مع الإسرائيليين، فكلما شعرت إسرائيل بوجود نوع من توازن القوى المحدود وعدم سهولة الانقضاض والقيام بحرب خاطفة كان ذلك لمصلحة الاسد وسوريا معاً. رغم انكشاف هذا الهدف السوري، فإنه لا يؤذي موسكو، لأنه يساهم عملياً في إضعاف خصم لها يغذي عدوّها. بذلك يتأكد صحة المثل العربي "عدو عدوك صديقك".
المشكلة الكبرى أن موسكو التي ايضاً كما يقول المثل الشعبي قد "قلعت أضراسها" في التعامل مع العرب وخصوصاً منهم دمشق طوال عقود ماضية، تأخذ بحساباتها دروس تلك التجارب حتى ولو انها جرت في زمن الاتحاد السوفياتي. ويبدو أن شيئاً من الماضي يتكرر حالياً. دمشق تهجم على موسكو طلباً لدعمها ولسلاحها، وفي الوقت نفسه تصوب على واشنطن.
ما تريده دمشق وهذا ليس سراً عظيماً صداقة واشنطن، فهي كانت وما زالت تؤمن ان مردودات هذه العلاقات العميقة إلى درجة التحالف أكبر بكثير من أي علاقة أخرى. ألم تثمر في زمن كيسنجر الحصول على جائزة كبرى هي لبنان، فلماذا لا تكون هذه المرة الجولان ولبنان معاً؟.
من أجل الوصول إلى قلب واشنطن وعقلها، فتحت دمشق طريقاً سريعاً عبر أنقرة إلى إسرائيل. المفاوضات غير المباشرة مع إسرائيل نجحت في صياغة الموقف الفرنسي الداعم لها، والذي من نتائجه الزيارة المرتقبة للرئيس نيكولا ساركوزي إلى دمشق في مطلع الشهر المقبل. لولا المفاوضات مع إسرائيل لما انطلق "القطار" الفرنسي السريع باتجاه دمشق. ولا شك انه كلما همست تل أبيب في أذن باريس ان الموقف السوري الايجابي يزداد إيجابية، قوي وتدعم موقف دمشق لدى باريس ومن ثم واشنطن.
حالياً، يتوافد على دمشق الزوّار والرسل من أوروبا وحتى من الولايات المتحدة الأميركية ولو لم يكن ذلك بصيغة رسمية، ودمشق تقوّي اتصالاتها مع فريقي عمل المرشحين جون ماكين وباراك اوباما، حتى عندما يدق الجرس تكون جاهزة لفتح كل الأبواب والدخول عبرها إلى واشنطن.
يبقى سؤال صغير إذا كانت إيران ودول أخرى مستعدة لدفع فاتورة التسلح السوري من روسيا، فهل دمشق مستعدة لدفع فاتورة الانفتاح والانضمام الى المسار الأميركي ـ الإسرائيلي، خصوصاً وأن تلك الفاتورة ستتضمن مدفوعات مسبقة ولاحقة تتناول القديم والجديد من علاقاتها؟.
وحده "التاجر" الدمشقي الذي يقايض الجميع من "كيس" غيره قادر على الاجابة لأن الوقت عندئذ سيكون وقت الدفع من "كيسه"!.