أربعة هواجس تشغل بال الصّرح البطريركي:
قانون الانتخاب و"الخط الثالث" والجيش والتعيينات
عشية حرب العراق الثانية عام 2003 صدر موقف لافت لمجلس المطارنة الموارنة تجاه سوريا حيا فيه موقف الرئيس السوري بشار الاسد من التطورات التي تقبل عليها المنطقة، خلال قمة عقدت حينها في شرم الشيخ، اذ وصف المجلس كلمة الأسد بأنها "تدل على حكمة و"بعد نظر". لكن سوريا، بحسب الذين رافقوا عن كثب آنذاك مرحلة تأليف الحكومات، لم ترد التحية بالمثل إلا حين شرب رئيس جهاز الأمن والاستطلاع في القوات السورية العاملة في لبنان العميد الركن رستم غزالي كأس البطريرك الماروني في مأدبة تكريمية اقيمت له. لكن الرد الفعلي جاء بعد وقت قصير حين شكلت حكومة أبعد ما يكون وزراؤها عن الخط الذي رسمه البطريرك في نداء مجلس المطارنة الموارنة عام 2000 .
يستعيد الذين رافقوا مسيرة النداء الأول والرد السوري حينها، بالمشهد الذي يرتسم حالياً في الديمان حيث تبدو البطريركية المارونية منذ اسابيع بعيدة نسبيا عن قلب المشهد السياسي. فالمرحلة الراهنة منذ الاتفاق وانتخاب رئيس للجمهورية وتشكيل الحكومة وصدور البيان الوزاري، تحفل بهاجس ترتيب العلاقات اللبنانية – السورية، من ترسيم الحدود وفتح سفارتين وتبادل البعثات الديبلوماسية وزيارة رئيس الجمهورية ميشال سليمان لدمشق. ووفق ايقاع الهاجس السوري تسير التطورات في لبنان، ومقدار ما يقترب الحدث من العاصمة السورية يبتعد عن الصرح البطريركي. وفي اعتقاد الذين رافقوا مراحل صعود بكركي كقوة قائدة لمجتمع تخبط في مشاكله ودفع ثمن النداء الاول، فانها ليست صدفة بل من المسيء ان تنحسر اطلالات كثير من السياسيين عن الصرح، وتخف اتصالات المراجع السياسية بالصرح الى حدودها الدنيا، وان يقل عدد زواره من وزراء الحكومة الجديدة المسيحيين الى اقل من عدد اصابع اليد الواحدة.
في مقابل الساعين الى تحييد دور بكركي، ينصرف سيد الصرح الى مراقبة الوضع والعهد الجديد الذي لم يعرف بعد خيره من شره. وكما في كل الديموقراطيات المألوفة، يعطى اي عهد وحكومة جديدة فترة سماح قد تمتد من اسابيع الى ستة اشهر، وقد تقصر المهلة وتطول بحسب المواقف الحاسمة من القضايا الجوهرية. وتستمر بكركي في الاضطلاع بدورها بعيداً من الاضواء، وفي بالها حماية المجتمع المسيحي من الخضات التي تقبل عليها المنطقة، ويعيش لبنان ارتداداتها أمنياً وسياسياً. وهذه القضايا التي تشغل بال بكركي – الديمان تشكل هموماً اربعة، و"خريطة طريق" تعبّر عن هواجس سيد الصرح الذي كان اول من رسم خريطة الاستقلال التي يريد البعض ان يدفع كما غيره ثمنا لها:
الهم الاول التأخير في إقرار قانون الانتخاب. وهذا التأخير، الذي عكسته مصادر وزارية معنية، مرده الى الدخول في تفاصيل العملية الانتخابية لجهة مراقبتها وادارتها وما يتعلق منها باقرار البطاقة الانتخابية او عدمه، وتمويل الحملات الانتخابية وانشاء الهيئة المستقلة لمراقبة الانتخابات. واذا كانت وزارة الداخلية تنتظر اقرار القانون للسير في الاجراءات العملانية والادارية وتخشى التأخير في اقراره الى ما بعد ايلول، فان لبكركي هما موازياً يتعلق بالتقسيمات الانتخابية لئلا يتكرر المشهد السابق ويعاد العمل بقانون عام الفين.
الهم الثاني يتعلق بوضع المسيحيين في الانتخابات. فالمسلمون السنة والشيعة والدروز يقدّمون منذ الآن مشهداً موحداً الى حده الاقصى، فيما الخشية تتعاظم من معارك انتخابية حامية تشهدها المناطق المسيحية بين مناصري 8 آذار و14 آذار. واذا كانت المنافسة الانتخابية حقاً مشروعاً وعملاً ديموقراطياً يقوم به المسيحييون، فان بكركي تخشى من زيادة الانقسام المسيحي حتى داخل قوى 14 آذار، وتخاف ان يتكرر ما افرزه "لقاء قرنة شهوان" سابقاً من اشكالات داخل البيت الواحد. وهي في المقابل تشجع على بروز "خط ثالث" بين القوتين المعروفتين حالياً، على الا يكون هذا الخط محسوباً على اي طرف او مرجعية، وان يكون قوامه شخصيات مشهود لها بالعلم والثقافة والخبرة ، ولا تاريخ لها من قريب او بعيد بالحقبة الماضية لبنانياً وسورياً، او تشكل تجميلاً لهذه الحقبة، لا بل تشكل امتداداً لنداء مجلس المطارنة الاول.
الهم الثالث يعبّر عنه البطريرك دورياً في عظاته الاسبوعية ويتناول التعيينات الادارية. وقلق البطريرك الماروني لا يتعلق بخرق التوازن الذي اقر في الطائف فحسب، بل بعدم اعادة مراكز للموارنة والمسيحيين كانت اعطيت لغيرهم من ابناء الطوائف الاخرى خلال الوجود السوري. والأهم ربما هوية بعض المعينين المسيحيين والمطروحة اسماؤهم لمراكز حساسة، ممن يشكلون امتداداً للحقبة الماضية.
أما الهم الرابع فهو وضع الجيش الذي يتعرض لخضات متتالية منذ معركة نهر البارد وسقوط نحو 170 شهيداً. فما اصاب الجيش في الشياح مرورا بانعكاسات حوادث ايار على المؤسسة العسكرية، يراد منه المس بوحدته والتأثير على قدراته. والتجاذبات التي تدور اعلاميا وسياسياً حول قائد الجيش الجديد ومدير مخابراته لا تساعد على تنقية الاجواء المحيطة بالمؤسسة، وخصوصاً ان ثمة من يحاول ان يظهر التعيينات كأنها تركيز لحق مكتسب في الجيش، فيما يحاول البعض الآخر ان يستعيد ما كان يعتقد انه خسره في الجيش. وبالنسبة الى بكركي، دور الجيش محوري، وخصوصاً في قضايا الامن في الداخل والارهاب الذي كثر تداوله أخيراً.
اربعة هموم يحكي بها الصرح، وسيظل يحكي بها تأكيداً لمرجعية بكركي ودورها. فالعشب لم ينبت سابقاً على درجها ولن ينبت الآن.