كثرة الوسائل الأمنية وندرة الخيارات السياسية متاهة وقع فيها منذ 7 أيار
إنتخابات 2009 نقمة على "حزب الله" فاز بها.. أو خسر
لا مصلحة لـ"حزب الله" في أن يكسب الإنتخابات النيابية العام المقبل، وهو يدرك جيداً عواقب هذا الفوز إن حصل.
فقد استطاع التوفيق جيداً، في مرحلة الوصاية السورية، بين صفته كحزب "مقاوم" وبين ما وكّل به من "مواكبة" لمنظومة الحكم في لبنان. كما عمد لاحقاً، في مرحلة ما بعد الجلاء السوريّ، إلى الجمع بين صفته كـ"مقاومة مستمرّة رغم التحرير" وبين تزعّمه لـ"معارضة وطنية لبنانية" تخيّر الفريق الأكثري بين تعطيل الحكم بالتطويق والإعتصام أو تعطيله بالـ"المشاركة" و"الوحدة الوطنية".
حزب حاكم
أما تنعّم "حزب الله" بنتيجة انتخابات 2009 بمظهر "الحزب الحاكم" أو "الحزب القائم على رأس الفريق الأكثريّ" فسينعكس نقمة على مفهومه للمقاومة، وسيعرّض مصادر حيوية هذا الحزب للتلف السريع. ليس فقط لأنه إذّ ذاك سيصير مسؤولاً مباشراً عن كامل السياسات السياسية والمالية والإقتصادية والإجتماعية والسياحية (بما فيها إدارة ألعاب الميسر)، ولأنّ ديبلوماسية لبنان سينظر اليها في عهده كذراع إعلامية وكعيون له، ولأن مصارف لبنان ستتعرض للمساءلة دولياً بتهمة إمدادها أو تسهيلها لحركات أرصدته، بل لأن الوضع الناشئ عن انتقاله من وضعيات "المواكبة" و"الإعتصام" و"المشاركة" إلى نموذج "الحزب الحاكم" على رأس "جبهة وطنية" وعلى غرار "البعث" في سوريا هو من شأنه نزع أغطية المناعة عنه، وإلباسه أردية هو في غنى عنها.
ففي المقام الأول سيجد هذا الحزب المتحفّظ عن أي تطوير "ندّي" للعلاقات اللبنانية ـ السورية نفسه في موقع "الندّ" لسوريا إن هو وصل إلى السلطة، وليس ذلك ما يصبو إليه. صحيح أن "حزب الله" حمى الإنسحاب السوريّ بـ"الوفاء الجماهيري" لزمن الوصاية يوم 8 آذار 2005، لكن هذا الحزب تنفّس الصعداء بنتيجة هذا الإنسحاب، إذ نقلت مقاليد الوصاية له، أو جرت "خصخصة الوصاية" لحسابه، وبرهن أنه أقدر على "إدارة مرفق الوصاية" مقارنة بضباطها المنكفئين إلى ريف دمشق. وكل ذلك لن يعود مضموناً إن فاز "حزب الله" بإنتخابات 2009. فالإنتصار "الإنتخابي الإلهي" حينئذ سيكبّل لعبة "المفاوضات من أجل المفاوضات" بين سوريا واسرائيل، وسيجعل من سوريا مسؤولة من جديد وبشكل مباشر عن كل ما يحدث في لبنان، كما أن شروط "غض الطرف" الدولي عن شحنات الأسلحة التي تصل الى "حزب الله" برّاً وجوّاً وبحراً لن تعود هي هي.
هل يسلّم سلاحه الى نفسه؟
كثيراً ما يتندّر المسؤولون في "حزب الله" بأنّه في بلدان أخرى تكرّم حركات المقاومة أو التحرير الوطني، أو تكرّم نفسها بالوسائل السلمية أو العنفية، فتتولى السلطة. ما ينساه هؤلاء المسؤولون أنّ هذه الحركات عندما تصل إلى السلطة تتخلّى عن صفتها "المقاوِمة" وتدرج تاريخها الكفاحي في المقرّرات الرسمية للمدارس، لكنها تصير صاحبة المصلحة والقرار في توحيد منظومة العنف الشرعي، وفي البطش بكل سلاح لا يكون هو سلاح الدولة وأجهزتها. فهل يسلّم "حزب الله" ترسانته الصاروخية وطائرات استطلاعه وعيونه الإستخبارية إلى الدولة عندما "يستلم"" هذه الدولة أو يتولاها؟.
"حزب الله" الآن يطالب الآخرين بحماية سلاحه.. وتحت طائلة عدم حمايتهم من سلاحه. ليس هناك "مقاومة" تطالب الجيش الشرعي بـ"حمايتها". كل ما يمكن أن تطالب به "مقاومة" هو أن لا يتصدّى لها الجيش الشرعي، وكل ما يمكنها أن تعطيه في المقابل هو أن "تحمي" ظهر هذا الجيش، وأن تثبت له أنها قادرة بشجاعتها، ورشاقتها، على التوغّل حيث لا قدرة له أو مصلحة في التوغّل، وعلى تنفيذ ما ليس من تقاليد القوات النظامية تنفيذه.
كل هذه المنظومة المختلّة من المفاهيم ستتعرّض للتهافت إن وصل "حزب الله" إلى الحكم. هذه المنظومة لا تحيا إلا في الظلّ، سواء ظلّ الخيم الخالية في ساحة رياض الصلح، أو ظلّ "الثلث المعطّل" في مجلس الوزراء.. "الثلث المعطّل" لا أكثر. ما يزيد عن ذلك سيتحوّل بالنسبة إلى "حزب الله" إلى جرعة زائدة.
الحبّ بالإكراه
فـ"حزب الله" اليوم، وحتى لو امتنع عن "التخوين" العلني لأخصامه في السياسة، إلا أنه سيبقى "يخوّنهم" في سرّه. العنف الكلامي الذي يتبارى فيه مسؤولو "حزب الله" عندما تتاح لهم الفرصة سياسياً، ليس إلا جزءاً بسيطاً من العنف الذي يختلج في صدورهم. بالنسبة إليهم أخصامهم أشرار، وحتى حلفاؤهم وأصدقاؤهم. هذه لبنة أساسية في العقيدة الباطنية للتنظيم.
لكن "حزب الله" في الوقت نفسه يعلم جيداً أنّ فرضه "المشاركة القسرية" بالقوة على أخصامه، كما فرضه "التحالف النفعي" بالترغيب أو بالترهيب على "المتفاهمين معه"، هو الذي يحميه ويحمي سلاحه. المشاركة القسرية المفروضة بالقوة هي عنده أفضل بكثير من حيث الكلفة ومن حيث النتيجة من المشاركة الطوعية الباهظة الأثمان والشروط والمكبّلة لحركته. كما أن المشاركة القسرية في الحكم تبقى أفضل في كل الحالات من عدم المشاركة. وفي هذه الجزئية، فإنه إن تعذّرت المشاركة فمن الأفضل أن يكون "حزب الله" في المعارضة "الإعتصامية" إلى حين خلق الظروف الأمنية والسياسية، والسياقات الإقليمية المساعدة على جرّ الآخرين إلى هذه المشاركة.
فالحب بالإكراه هو ما يحمي سلاح "حزب الله" وليس الحب الطوعي الحقيقي ولا الطلاق الحبي أو غير الحبي. لكن ما العمل ساعة يعطى "حزب الله" وحلفاؤه أكثرية ساحقة في المجلس النيابي؟ في حال خسر الإنتخابات سيطالب حتماً بـ"الثلث المعطّل" عملاً بمفهومه عن "الديموقراطية التوافقية". لكن ماذا لو انتصر؟ هل سيطالب حينها فقط بـ"الثلث المعطّل" فيما الدستور يتيح له وللحلف الذي يقوده تشكيل الحكومة بكامل أعضائها، أم أنه سيعرض "ثلثاً" معطّلا أو غير معطّل على أخصامه السياسيين؟ وحينها، ماذا لو رفض أخصامه السياسيون هذه الهدية، وآثروا المعارضة البرلمانية، المؤسسية، بالوسائل القانونية، فلا احتلوا ساحة ولا شلّوا عاصمة ولا استباحوا شوارعها ولا صادروا اعلاما، وإنما انتظروا الإنتخابات النيابية التي تلي؟ ماذا سيكون موقف "حزب الله" الحاكم حينها؟ هل سيتحرّك أمنياً حينها لإجبار أخصامه الثلاثيين على قبول الحقائب الوزارية التي سيعطيها لهم؟.
ليلة 7 أيار
ليست هذه الأسئلة خيالية. هي طرحت نفسها ليلة 7 أيار. يومها قال لنا "حزب الله" انه كان باستطاعته اجتياح البلاد كلّها لكنه أحجم وفضل اجتياح العاصمة، وانه كان باستطاعته دخول السرايا وقريطم وكليمنصو وبلوغ معراب أو حتى تنصيب بطريرك جديد للموارنة، لكنه امتنع عن ذلك تأدّباً. يومها وصلت الخفّة ببعض ناكري الجميل لبيروت الى طرح سؤال "ان كان انقلاباً كما تدّعي الأكثرية فلماذا لم تعلّق المشانق؟". هذا السؤال الغبي يصير سؤالاً ذكياً عندما يوجّه لـ"المعارضة" التي يقودها "حزب الله". بما أنّكم قمتم بانقلاب لماذا لم تعلّقوا المشانق؟ من لا يعلّقها هو من لا يستطيع تعليقها نظراً الى وعيه تبعات ذلك. و"حزب الله" كان ذكياً للغاية صبيحة 8 أيار لأنه كان بالفعل يعي ذلك. كان يعي أن عليه أن يحترس من أن يدفع به "الإنتصار الأمني" إلى تنصيب نفسه "حزباً حاكماً". هو حزب يفضّل الهيمنة من وراء الستار، وليس نافلا أن النظام الذي يواليه، أي ايران، يخلو من "حزب حاكم" لأن ميليشيات "الباسدران والباسيج" تفضّل هي الأخرى إدارة اللعبة من خلف الستار. والحال أن الإنتصار في انتخابات 2009 لو حصل سينزع هذه الستارة. كيف يسدلها "حزب الله" بعد ذلك؟.
لا مصلحة لـ"حزب الله" في أن يكسب الإنتخابات النيابية العام المقبل. لكن لا مصلحة له أبداً في أن تفوز بها "قوى 14 آذار". في وضع كهذا، تصطدم كثرة الوسائل الأمنية في يد الحزب بندرة الخيارات السياسية الممكنة، وتعيش البلاد حتى الإستحقاق الإنتخابي لحظة ممغّطة لهذا الإصطدام.