الوثيقة المجمّدة بين "حزب الله" وجمعية "وقف التراث": القصة الكاملة
في الثامن من أيار وصلت مستويات الفتنة بين السنة والشيعة درجات غير مسبوقة. تراكُم الجروح ولّد حالة من الألم مصدره الكرامة المهانة، لدرجة أن بعض الإسلاميين تندّموا في لحظة غضبٍ من تأييدهم المطلق للجيش اللبناني وقوى الأمن الداخلي قبل وأثناء قتالهم "فتح ـ الإسلام"، على خلفية المشهد المحزن الذي بدت فيه القوى الأمنية أمام الميليشيات التي اعتدت على الناس في بيروت وبعض المناطق الأخرى، إذ بدا لهم أن القوة لا تُستعمل إلا في مواجهة السنّة الذين يعانون من استهداف غير عفوي. على هذا الأساس انطلقت موجة من التسلح المرتكزة على الخوف وعجز الدولة عن توفير الحماية للناس… كما تعمّقت الأحقاد وذكريات الحاضر والتاريخ.
كما هي الحال في أية محنة، فقد ظهرت التباينات المكتومة إلى العلن. "تجمع المعاهد والمؤسسات والأوقاف السلفية" برئاسة صفوان الزعبي، المتمايز أصلاً عن التيار السلفي الذي يقوده داعي الإسلام الشهال، لم ير مصلحةً في مقاربة الأخير للعلاقة مع "حزب الله"، سيما أن ثمة شعور واضح لدى السلفية في لبنان أنهم مستهدفون، وسواء اتفق الجميع أو اختلفوا فهم الضحية. هذا هو الجانب المعلن من التباين بين الزعبي والشهال فيما خص العلاقة بـ"حزب الله"، لكن العارفين يشيرون إلى أمور أخرى كثيرة، تتعلق بالزعامة والدور، ولا يستبعدون دوراً مخابراتياً ما.
المقدمات
مستعيناً بجملة مبررات، من بينها إبراء الذمة في "نصح حزب الله"، فتح صفوان الزعبي قناة اتصال بمسؤول "حزب الله" في منطقة الشمال محمد صالح. توسّعت الحوارات لتضم المسؤول عن ملف الحركات السنية في الحزب عبد المجيد عمار، وقد عُقدت اللقاءات بمعظمها، إن لم تكن كلها، في الضاحية الجنوبية لبيروت، وقد قدّم خلالها الزعبي أفكاراً مكتوبة، وما لبث "حزب الله" أن أعطى الموضوع أهمية زائدة، لا سيما بعدما أصبحت الواجهات الإسلامية التي دعمها أو أوجدها في الشارع السني في خبر كان أو تكاد.
ولإدراك الزعبي حجم الخصومة الموجودة راهناً في الشارع السني مع "حزب الله"، فقد حاول تغطية حركته بمباركة من "تيار المستقبل"، معطياً لحركته عنواناً لا يمكن لأحد أن يرفضه، هو محاولة تخفيف الاحتقان بين السنة والشيعة، وبالرغم من تحذير النائب سمير الجسر من الاستغلال الإعلامي، إلا أن الزعبي اعتبر أن إحاطة "تيار المستقبل" بالأسباب والمبررات بصورة مجملة، كافية لانتزاع موافقة التيار، على اعتبار أن أحداً لم يقل له: "لا تفعل".
نضجت الأمور بصمت، واقترب يوم التوقيع على اسمي وثيقة تفاهم، ولما لم يكن الزعبي رمزاً سلفياً، فقد جرت الاستعانة بالشيخ حسن الشهال، ابن عم داعي الإسلام الشهال، بعدما أُقنع بالوثيقة ومبرراتها، وأفهم أن الأمور على ما يرام مع "تيار المستقبل"، وعلى هذا الأساس تقدّم الشهال منصة التوقيع، فيما اكتفى الزعبي وعدد من ممثلي الجمعيات السلفية بالحضور، علماً أن المراحل التحضيرية كافة، كان قد قام بها الزعبي وحده، ومن دون إطلاع كافٍ لبقية الجمعيات.
السقوط
بعد وقت قصير على التوقيع عقد داعي الإسلام مؤتمراً صحفياً رفض فيه وثيقة التفاهم، واصفاً إياها بـ"فرقعة إعلامية"، على أساس أن "جمعية وقف التراث ـ التي يمثلها الزعبي ـ جمعية اجتماعية خدماتية وليس لديها أي تمثيل أو تأثير معتبر"، دون أن يخفي ارتيابه من أهدافها وتوقعه سقوطها. وعلى الرغم من أن بعض المراقبين اعتبروا هذا الموقف حاداً جداً إلا أن المواقف اللاحقة من قبل الإسلاميين و"تيار المستقبل" كانت أكثر وضوحاً، وقد أسهم الشارع المعبأ أصلاً ضد "حزب الله" في رفع وتيرة التنديد بما أُطلق عليه: "المحاولة الجديدة لاختراق الساحة السنية"، وفي بلورة تحرّك قوي لإسقاطها، ارتكز على المبررات الآتية:
ـ إغفال الوثيقة أي ذكر أو تنديد بالخطيئة التي ارتكبها "حزب الله" في 78 أيار.
ـ عدم التوازن في البنود، إذ جرى التركيز على القضايا التي لا خلاف عليها بين الإسلاميين، كمواجهة المشروع الأميركي، وإغفال موضوعات أخرى كالمشروع الإيراني الذي يتوجس منه السنّة في لبنان والعالم، وموضوع "عبث حزب الله في الساحة السنية في المال والسلاح واختراع الواجهات"، وموضوع تغطية "حزب الله" للعماد ميشال عون الذي يشن ما يشبه "حرب إلغاء" ضد السنّة، منذ مدة طويلة. (بارك الوثيقة ولو كانت "اتفاقاً بين ملائكة وشياطين")، وقس على ذلك كثير.
ـ إيلاء تحصين الساحة السنية أولوية على التفاهم مع الحزب الممثل لأغلبية الشيعة، على اعتبار أن "الخاص مقدم على العام في السياسة الشرعية"، ورفض تشرذم الحالة السلفية وإيجاد شرخ بين مكوناتها، ولا سيما عائلة الشهال.
ـ التوقف أمام مفارقة تركيز الوسائل الإعلامية المحسوبة على "حزب الله" على الخطر السلفي وارتباطه بالمملكة العربية السعودية وبالإرهاب، ثم محاولة التفاهم معه!.
اتخذت حركة الرفض أشكالاً عدة؛ فمن الاتصالات واللقاءات، إلى اللافتات التي رفعت في طرابلس، بدا أن المبرر الأبرز الذي رفعه صفوان الزعبي لتوقيع الوثيقة، وهو التخفيف من الفتنة بين السنة والشيعة قد سقط، إذ أن النتيجة على الأرض كانت فتنة سنية ـ سنية، مضافاً إليها المزيد من التأجيج في الفتنة ين السنة والشيعة، وهذه النتيجة، إضافة إلى استياء جمعية "إحياء التراث السلفية" الكويتية، وهي الجمعية الداعمة للزعبي، حتّم عقد لقاء بين الشهالين وإعلان تجميد الوثيقة، "لمزيد من الدرس".
التداعيات
عملياً الوثيقة انتهت وقد كان حسن الشهال، الذي وقع الوثيقة عن الجانب السلفي، واضحاً في ذلك عندما قال: "نحن حين وقّعنا الوثيقة أردنا أن نريح الساحة اللبنانية، فلما انعكس الأمر سلباً على ساحتنا، كان أولى بنا أن نعود إلى ساحتنا لنرى كيف نلمّ صفها ونجمع أمرها على أمر متفق عليه، وساحتنا أولى بنا، فيجب أن يعذرونا ـ حزب الله ـ وأن يتفهموا هذا الأمر".
ومع ذلك فإن التداعيات السيئة على من وقّع لم تنته فصولاً بعد، فقد حصد "حزب الله" الخيبة من وجوه عدة؛ أولاً: لأنه وضع نفسه بحجم جمعية بالكاد تمثل 1 من سنة لبنان، وثانياً: لأن محاولته فشلت، وثالثاً: وهو الأهم، لأنه أحدث توتراً زائداً مع باقي القوى السنية، الإسلاميين و"تيار المستقبل"، وقد كان لافتاً الموقف الذي أطلقه الشيخ فيصل مولوي، أمين عام "الجماعة الإسلامية"، التي كانت حتى الأمس القريب تربطها علاقات تاريخية استراتيجة بـ"حزب الله"، عندما وصف التفاهم بأنه "كان التفافاً حول الموضوع لإفراغه من أي مضمون"، مضيفاً: "هناك فتنة حقيقية بين حزب الله وأكثر اللبنانيين وخاصة المسلمين السنّة، ومحاربة هذه الفتنة لا تكون إلا بدخول البيوت من أبوابها، بحوار جدي مع المرجعيات لتحديد الأخطاء والتفاهم على عدم تكرارها، وغير ذلك فهو فقاعات إعلامية".
التداعيات في الطرف الآخر كانت أشد إيلاماً، فقد أدى الاتفاق ثم تجميده إلى تعزيز مكانة داعي الإسلام الشهال، وتكريس زعامته للتيار السلفي، بل أكثر من ذلك، فقد أدى انهيار الوثيقة، إلى انهيارٍ في التجمع السلفي الذي يقوده الزعبي، لا سيما بعدما أصدر عدد من الجمعيات السلفية بياناً في التاسع عشر من آب الجاري، رفضت فيه وثيقة التفاهم التي "لم يكونوا مطلعين عليها، وبالتالي فهم غير معنيين بها". والجمعيات هي: جمعية السراج المنير الإسلامية (بيروت) ـ وقف البخاري الخيري (عكار) ـ جمعية تجمع سنابل الخير التربوي (عكار) ـ وقف الإعانة والتكافل الخيري الإسلامي السني )طرابلس) ـ دار زيد بن ثابت (طرابلس) ـ جمعية الفصول الأربعة (ببنين) ـ جمعية الاستجابة (صيدا) ـ وقف النور الخيري (شبعا). وما لم يذكره بيان هذه الجمعيات صراحة، قاله أحد وجه السلفية، عندما وصف ما قام به الزعبي بالخديعة، على اعتبار أن الوثيقة التحضيرية وما أسماه الزعبي نقاطاً طبيعية، كان يتضمن كلاماً غير الذي أُعلن في الوثيقة، وعلى سبيل المثال لا الحصر: "الاعتراف بأن اقتحام بيروت بالقوة العسكرية خطأ، واعتباره الذين سقطوا دفاعاً عن أنفسهم وأموالهم وأعراضهم مجرد ضحايا خطأ أكبر".
أخيراً ثمة ملاحظات لا بد من إيرادها، ذلك أن دعوى التخفيف من الاحتقان بين المجموعات اللبنانية لا يكون من خلال عقود بين الطوائف والأحزاب والجماعات، مهما علا حجمها التمثيلي، وإلا ما معنى وجود الدولة، عندما يبدو اللبنانيون وكأنهم مجموعة قبائل تبحث عن عقود اجتماعية تصوغ من خلالها علاقاتها ببعضها وتحمي نفسها من الاعتداء، وإذا كانت الوثيقة المجمدة قد نصت على أنه: "في حال تعرضت أي مجموعة إلى اعتداء فمن حقها اللجوء إلى الوسائل المشروعة للدفاع عن نفسها"!، فلماذا يدفع اللبنانيون من جيوبهم موازنة القوى الأمنية؟ وأي أنانية وتفكك في النسيج الوطني بين من يفترض أنهم أبناء بلد واحد، عندما يقول حسن الشهال في حفل التوقيع: "في حال تعرض حزب الله أو السلفيون لأي ظلم ظاهر وجلي من أطراف داخلية أو خارجية، على الطرف الآخر الوقوف معه بقوة وحزم ضمن المستطاع"!!.