تطلق مؤتمرها العام بعد انتخابات الـ٢٠٠٩: "القوات" غارقة في ورشتها وتضمن تمدد كتلتها
خرج سمير جعجع من السجن فدخلت "القوات اللبنانية" سريعاً في معمعة الأزمة الوطنية بفصولها كافة. فالمنظمة العسكرية لم يكن ساعدها الحزبي قد قوي بعد لناحية التنظيم والهيكلة وتحديد المسؤوليات فاستند "الحكيم" الى رصيده الخاص ليواكب الاستحقاقات على الساحة العامة.
نسج تحالفاته وأوصل كتلة من ستة نواب الى الصحن البرلماني. اليوم تقف القوات أمام الاستحقاق الأول من نوعه منذ تاريخ ولادتها، لأن تجربتها الانتخابية الأولى في العام ٢٠٠٥ تعتبرها "للشيطان" كونها لم تكن حرة بالكامل وأدارها قائدها من طاقة السجن. تختار "قدومية" في الطريق العام لـ١٤ آذار، كما يفعل غيرها من الحلفاء، لكنها تؤكد أنها تعود في النهاية كما الآخرون الى حيث يجب أن تكون، لأنها لا تنتمي الى تحالف مستنسخ. تحرص أن يكون نظامها الداخلي رئاسياً.
وبينما نار الانتخابات تشتعل، تأخذ القوات ومنذ قرابة السنة ونصف السنة وقتها "على رواق" في هندسة بنود النظام الداخلي الذي وضعته لجنة مختصة وستعممه على المناطق والقطاعات المهنية، لتسجيل الملاحظات أو الاقتراحات فيعود الى القيادة ويقر، وعلى أساسه يفتح باب الانتساب الى حزب القوات اللبنانية، على ما يوضح مسؤول منطقة عكار في القوات العميد وهبة قاطيشا. وهذا يعني أن الحزب لم يحدد بعد إطار تمدده وعدد المنتسبين اليه أو المناصرين له وهذا يدفع الى السؤال بالتالي: أين يكمن الثقل القواتي للبناء عليه؟
يجيب قاطيشا: "إن الثقل القواتي منتشر من النهر الكبير الى القليعة وفي كل المناطق المسيحية، علما أن مناصرين من غير المسيحيين يأتون الينا للانتساب فنتعاون معهم ريثما يصار الى توزيع بطاقات العضوية والذي لم نشرع به بعد".
هذه الثقة بالذات وبحجم التمثيل القواتي والتي يقرأها البعض أنها "جنون العظمة" يدعو العميد الى التأكد منها في ٢١ أيلول، وهي المناسبة السنوية التي تحييها القوات في قداس احتفالي لروح شهدائها وسيكون هذا العام في الملعب البلدي في جونيه. فكثافة الوافدين في كل عام لإحياء الذكرى والتي تذكر بمشهد النائبة نايلة معوض مستقلة دراجة نارية على طريق حريصا، دفعت المنظمين إلى تغيير المكان من البازيليك الى ملعب فؤاد شهاب.
وهل هذه المناسبة تختصر الحجم القواتي؟
يجيب قاطيشا: "لن أدخل في الأعداد فنحن لا خطاب عاطفياً لدينا، وإنما نبني على صخر. ومناسبة ٢١ أيلول ستقدم مؤشراً عن بداية حجم القوات اللبنانية".
أرغمت الظروف القوات على إرجاء مؤتمرها العام ثلاث مرات: في العام ٢٠٠٦ عقب حرب تموز، وفي العام ٢٠٠٧ بسبب تعطل الحكومة واعتصام الوسط التجاري، وهذا العام أيضاً إذ كان من المقرر عقده قبل نهاية السنة الجارية، لكن تعطيل الانتخابات الرئاسية وكل الظروف المرافقة وصولاً إلى اتفاق الدوحة أدت الى إرجائه الى ما بعد انتخابات العام .٢٠٠٩ ومن شأن هذا المؤتمر أن يتوج تكوين القوات بإقراره النظام الداخلي وإطلاق آلية الاختيار الديموقراطي لمسؤولي الحزب على مستويات القيادة والمصالح والمناطق.
وقبيل الاستحقاق النيابي الذي سيفرز وجه لبنان المستقبل كونه سيحدد أي لبنان نريد وأي دولة نريد أن نبني على ما يقول نائب البترون "القواتي" أنطوان زهرا، تعيش القوات اللبنانية ورشة إعادة بناء كاملة، وسيكون التوجه من حيث الاقتراح المقدم الى أن يكون رئيس الحزب منتخباً من القاعدة الحزبية بشكل مباشر على شاكلة النظام الرئاسي. وإذا لم يؤخذ به يصار الى اعتماد آلية انتخاب الرئيس من مجلس القيادة أو الهيئة وذلك وفق ما سيقر في المؤتمر العام.
وعندما يتم الحديث عن إعادة جمع صفوفها داخلياً فهذا لا يعني بالطبع على الصعيد السياسي، يقول زهرا، لأن التيارات حسمت أمرها. فمن أراد أن ينخرط في القوات فعل ومن كان ضمنها وخرج منها وأسس شيئا يخصه حسم بالتالي خياره. وإذا كان من نية لإعادة احتضان من انشق عن القوات، يقول العميد قاطيشا: "أحد لم ينشق عن القوات، لأن هؤلاء هم من تركوا القوات في فترة الاضطهاد ولم يصمدوا في الظروف الصعبة". وهذا الأمر يجعل من "الورشة التنظيمية" قائمة من دون أن يكون لها أي تأثير على التحضير القواتي للانتخابات النيابية: "فالقوات أثبتت حضورها على الساحة السياسية نتيجة عمل جدي ومحترف، والدكتور جعجع كان من المحاورين الأساسيين في مؤتمر الدوحة ناهيك عن سلسلة النجاحات التي حققناها في انتخابات جامعية ونقابية وغيرها، وصولا الى مشاركتنا في انتخابات ٢٠٠٥ حيث حسمنا خيارنا بين مرّين".
ويؤكد زهرا كذلك أن القوات ستحاول أن تتمثل بأكبر عدد ممكن من النواب من دون أن تصرّ على أن يكون ممثلوها من القواتيين الملتزمين، وتوزير إبراهيم النجار خير مثال على ذلك. فقد نذهب الى الانتخابات النيابية بصيغة مختلطة تجمع الصفات الحزبية وأصحاب حيثيات قريبة من نهج القوات.
إذن التحالفات تترجم التوجه الوطني. ولكن طلائعها من أهل ١٤ آذار نفسها لا تبشر بالكثير من الخير على الأقل في كسروان والجبل. فالكباش بين جعجع والفعالية الكسروانية النائب منصور غانم البون على أشده في كسروان، ومن قال إن رادار زعيم المختارة سيرصد للقوات وجوداً في الجبل هذه المرة أيضاً؟
لمواجهة العاصفة الآتية تعقد اجتماعات ولقاءات داخلية »فنحن رايحين على الانتخابات بتماسك جدي وفي كل المناطق، ولن يكون هناك أي دور لأي طموحات شخصية أو زعامات تقليدية أو أحزاب في خريطة التحالف الوطني لـ"١٤آذار" يقول زهرا، مقللاً من أهمية الخلافات التي طافت على السطح والتي سبقت تشكيل الحكومة ومؤتمر الدوحة وذلك لأن قوى ١٤ آذار تضم شخصيات وأحزابا لا يأمرها شخص واحد وتطيعه وإنما هي تلتقي حول مشروع وطني واحد.
وإذا كانت الخلافات الحاصلة حالياً ستحل بالتفاهم والاتصالات الثنائية وتتوج بلقاء جامع، هل هناك اتصال حتى بين جعجع والبون مثلاً؟
يجيب زهرا: "ليس ضرورياً. ولكن ليست هناك قطيعة ويمكننا أن نسميها "زكزكة" ليحدد كل طرف حجمه ولتتحسن حصته".
وبينما لن يكون هناك أي مشكل في الجبل، فإن القواعد القواتية في البترون مدعوة الى تجديد ثقتها بنائبها زهرا الذي يؤكد إعادة ترشيحه على أن تظهر تباعاً الترشيحات القواتية في مختلف المناطق. أما سمير جعجع فلم يحسم ترشحه بعد لا في الأساس ولا في المنطقة، فالمسألة ما زالت قيد الدرس من كل النواحي، خصوصاً خدمة الدور السياسي للقوات، يجيب زهرا، ويضيف: "ولنر ماذا يقول الدستور أيضاً، إذ أنه يحدد مكان الترشح على أساس أن يكون مقعده تابعاً للطائفة التي ينتمي إليها".
تسير القوات اللبنانية نحو الاستحقاق النيابي بثقة الـ١٠٠ نجاح مضاعف، مستندة إلى أداء القوات وحجمها الشعبي. ولكن وبما أن أي حزب لا يمكنه أن يصنع نوابه بمفرده، فهي تعوّل أيضاً على نسيج تحالفات علماً أن لا أحد يقدم هدية مجانية لأحد للوصول إلى موقع القرار.
وماذا عن الهدايا المجانية التي تلقيتموها أنتم في الانتخابات الأخيرة؟
يجيب: "هذا غير صحيح، وخصوصاً ما يقال عن أن بعضنا فاز بأصوات السنة وبفضل التحالف الرباعي ،إذ أن ردة الفعل التي نتجت عن هذا الواقع هي التي أعطت للعماد ميشال عون كتلته الحالية، والتي أؤكد أنه لن ير مثلها في المستقبل".
تركن القوات تنظيم بيتها الداخلي لحين عبورها الاستحقاق النيابي. ونائبها البتروني يؤكد ليس فقط ترشيحه وإنما فوزه: "يمكن القول إنها ستكون انتخابات طبيعية وإن كانت بقانون غير مثالي، ولكنه مقبول نسبياً ومنذ قرابة الستة أشهر أجرت أكثر من شركة حيادية استطلاعات رأي خلصت الى أن البترون محسومة لتحالف ١٤ آذار كائناً من كان المرشحون ضدها".
ورداً على من يحسم بأن القوات وإن حالفها الحظ والحلفاء لن تحصد إلا مقعد سمير جعجع في بشري على الأرجح، يعلق العميد قاطيشا ساخراً: "وهذا إذا تركوا لنا مقعداً في بشري… في الواقع إن من يزور شهادة ويرسم صليباً على زند عنصر من حزب الله، يقدر أن يفعل أي شيء. وفي كل الأحوال غداً يذوب الثلج ويبان المرج، وإن لم نتمكن من حصد مقعد في بشري نعوّضه في بعلبك"!.
غراسيا بيطار