رسائل برسم الغرب وأميركا وسط استعادة "الحرب الباردة"
مواقف الرئيس السوري تعيد تبرير التدخل في لبنان
تقع سوريا من روسيا في الموقع المناسب من اجل ان تجد زيارة الرئيس السوري بشار الاسد وتوقيع اتفاقات لشراء اسلحة متطورة سياقها الطبيعي وغير المستغرب، خصوصا في ظل استيقاظ خلافات قوية بين الولايات المتحدة وروسيا على خلفية اجتياح الاخيرة لجورجيا مما يثير احلاما لدى كثيرين باستعادة محاور الدول الكبرى ابان الحرب الباردة وانهاء سيطرة الاحادية الاميركية في العالم.
لكن اللافت ان الرئيس السوري وجد في الاجتياح الروسي لجورجيا ضالته او فرصته المناسبة من اجل اجراء مقاربة في شأن وضع سوريا واسلوب تعاطيها ولبنان. وهي مقاربة او تبرير اذا صح التعبير لتقديم حجج وذرائع على نحو ينفي عن سوريا الاتهامات بالتدخل في شؤون جارها الصغير ويقدم للغرب من خلال النموذج الروسي في اجتياح جورجيا عسكريا، والذي لا يزال قائما ولم تنته مفاعيله بعد، ما يعتقد ان الغرب يفهمه او يتفهمه، فيبطل او يوقف دفاعه عن لبنان واستقلاله ويسلم لسوريا بأحقية التدخل فيه او الصمت على هذا التدخل. وقال الاسد صراحة في الحوار الذي ادلى به الى صحف روسية عشية زيارته روسيا دفاعا عن اجتياح روسيا لجارتها جورجيا عسكريا "ان الغرب يتهمنا بالتدخل في شؤون لبنان، لكننا باعتبارنا دولة مهمة في المنطقة لا نفعل شيئا سوى اننا نقيم علاقات شفافة وحوارا علنيا مع مختلف القوى السياسية والحوار ليس تدخلا ابدا. وهذا شبيه بما يجري لدى روسيا في شأن جورجيا، فلها موقفها ومصالحها لكن هذا ليس تدخلا".
وهذا الكلام للرئيس السوري يحاول به ان يحيي المنطق الذي يقر لبعض الدول الكبرى والمهمة بأن تتابع مصالحها لدى جيرانها الاصغر والاضعف وفق ما سلم العالم الغربي به لسوريا في لبنان لعقدين على الاقل. واللافت ان هذا الموقف يأتي بعد ساعات من توزيع نبأ في دمشق ورد فيه ان السلطات السورية رفضت الافراج عن المعارض السوري ميشال كيلو المتهم باجراء اتصالات مع الاكثرية اللبنانية. وتاليا اذا كان بعض الغرب تقبل المنطق الروسي وان على مضض فلم يجار كليا الولايات المتحدة وسارع الى التعامل معه بواقعية ومعالجته على هذا الاساس، فان على هذا الغرب المستمر في مطالبة سوريا بالكف عن التدخل في شؤون لبنان واحترام استقلاله وسيادته ان يتفهم ما قامت به سوريا وتستمر في القيام به في لبنان، اي "رعاية سوريا لمصالحها" وليس التدخل في شؤونه. وبعضهم يرى في تسعير الخلافات اللبنانية وعدم امكان الاتفاق الى حد تهديد استقرار لبنان سبباً من اجل ان تبرر سوريا لنفسها حماية مصالحها في لبنان لسبب من الاسباب وتعمد الى الاسلوب نفسه في اي وقت.
كذلك تماهى الرئيس السوري مع روسيا بدفاعه عن العزلة التي حاصر بها الغرب روسيا بقوله: "ندعم روسيا دعماً كاملاً. والحرب التي نشبت في جورجيا هي محاولة اخيرة لتطويق روسيا وعزلها"، فأعطاها صك براءة من اجل ان يبرر او يحجز لنفسه ربما حماية تقدمها له روسيا لاحقاً على الاقل لتصرف مماثل محتمل من جانبه او اي تصرف آخر قد يكون موضوع المحكمة الدولية من بين احتمالات مماثلة. وهذا الامر اثار تساؤلات لدى بعضهم عما اذا كان الاسد يبرر تصرفات بلاده السابقة او المستقبلية ايضاً ازاء لبنان او الاثنين معاً بصرف النظر عما اذا ثمة امكان لذلك مجدداً ام لا اي اجتياح قواته العسكرية للبنان، وهو ليس ممكناً في رأي كثيرين.
وثمة كثر من الغربيين باتوا يرون مسؤولية كبرى على اللبنانيين في السماح لسوريا بالتدخل في شؤونهم لا تقل عن مسؤوليتها هي في التدخل في شؤون لبنان وعدم اقتناعها باستقلاله. لكنها ليست مسؤوليتها وحدها في اي حال لكن نياتها حيال لبنان ليست بريئة ايضاً وفق ما بات الجميع مقتنعاً بذلك في الخارج.
اما بيت القصيد في ما قاله الرئيس السوي فهو ابعد من ذلك في رأي بعضهم، ويكمن في طبيعة الرسائل التي وجهها الى الغرب. فالزيارة لروسيا بتوقيتها وهدفها بالوقوف الى جانبها هي رسالة موجهة، وفق ما قرأها كثيرون، الى الاميركيين اولاً من حيث تبرير الاجتياح العسكري الروسي لجورجيا الذي نفى عنه صفة التدخل في شؤون بلد آخر بصرف النظر عن الاسباب التي ادت الى ذلك، ثم من حيث التلويح بالعودة الى التحالفات التي سادت ابان الحرب الباردة مع الاتحاد السوفياتي، وصولاً الى عرض الرئيس السوري استعداد بلاده نشر صواريخ ردّاً على الدرع الصاروخية التي نشرتها الولايات المتحدة في بولونيا، مما يعني انه ما لم تسارع الولايات المتحدة والغرب معها الى تلقف سوريا ومساعدتها على الارجح وقبل كل شيء في المفاوضات المباشرة مع اسرائيل من خلال التدخل لرعاية هذه المفاوضات قبل حصول تطورات اسرائيلية تعيدها الى زمن الجمود، مع ما يمكن ان يعنيه ذلك بالنسبة الى سوريا الراغبة في الخروج من العزلة ومن أخطار كثيرة عبر هذه المفاوضات، فان الولايات المتحدة تخاطر بفقدان هذه الفرصة المتاحة في رأي الاسد، علماً "ان روسيا لم تطلب منه ذلك على ما اوضح هو بنفسه. وتالياً يسعى الرئيس السوري الى الضغط على الاميركيين بان لديه خيارات بديلة موجودة فعلاً وهي ليست خيارات خيالية او افتراضية. وهذا موقف لا يشي بارتياح كبير الى موقع سوريا راهناً وربما انعكس عليها سلباً في ظل اضطرارها الى هذا التموضع المحوري.