مواقف الأسد في روسيا تثير أسئلة وشكوكاً
هل تسير المنطقة نحو التسوية أم نحو الحرب؟
توقفت أوساط سياسية عند قول الرئيس السوري بشار الاسد في زيارته لروسيا الاتحادية: "ان ما يجري بين روسيا وجورجيا هو شبيه بالوضع القائم بين سوريا ولبنان"، مبررا حربها في الدولة القوقازية، كما شبه التهديدات الغربية بعزل روسيا بسبب استخدامها المفرط للقوة في جورجيا بعزل بلاده بسبب تدخلها في شؤون لبنان.
هذا القول اثار شكوك الاوساط نفسها مخافة ان يكون يمهد لتدخل سوري جديد في لبنان بذريعة الدفاع عن مصالح سوريا فيه، كما لروسيا مصالح في جورجيا تدافع عنها وهذا لا يعتبر تدخلا. ولفت الى ان الغرب يتهم سوريا بالتدخل في شؤون لبنان "لكننا باعتبارنا دولة مهمة في المنطقة لا نفعل شيئا آخر سوى اننا نقيم علاقات شفافة وحوارا علنيا مع مختلف القوى السياسية، والحوار ليس تدخلا ابدا ويتلخص الامر في اننا نملك وجهة نظرنا الخاصة في شأن الاحداث في لبنان، وهذا شبيه بما يجري لدى روسيا في شأن جورجيا".
هذا الموقف الصريح والواضح للرئيس الاسد اثار لدى اوساط لبنانية رسمية سياسية وشعبية اسئلة عدة منها:
اولا: هل يكون لموقف الرئيس السوري هذا تأثير على سير المفاوضات غير المباشرة مع اسرائيل نظرا الى دور اسرائيل ومستشاريها العسكريين في جورجيا ام يعزز موقف سوريا في هذه المفاوضات عندما تكسب الى جانبها موقف روسيا الداعم لحقوق سوريا في استعادة الجولان؟
ثانيا: هل يكون لهذا الموقف تأثير سلبي على موقف الولايات المتحدة المتشدد من سوريا والمستمرة في سياسة عزلها ويشكل بداية الدخول في المحور الروسي ضد المحور الاميركي خصوصا اذا ما سمحت بنصب صواريخ روسية على الاراضي السورية، ام على العكس من ذلك، هو بمثابة من يخاطب الكنة الروسية لتسمع الجارة الاميركية وتقرر الانفتاح عليها ان لم يكن في عهد الادارة الحالية التي تعيش آخر ايامها، ويحاول البعض استغلال ضعفها، في انتظار قدوم الادارة الاميركية الجديدة التي قد يكون لها استراتيجيا في المنطقة مختلفة عن استراتيجيا الادارة الحالية؟
ثالثا: هل سوريا في حاجة الى منظومة دفاعية روسية متطورة لمواجهة اي عدوان اسرائيلي محتمل عليها، وكأنها غير مؤمنة بنتائج المفاوضات غير المباشرة الجارية مع اسرائيل وهي تسير بها تكتيكيا كسبا للوقت، وليس استراتيجيا، والا فان من يسير نحو تحقيق السلام لا يستعد للحرب.
رابعا: هل تريد سوريا بوقوفها الى جانب روسيا الاتحادية في حربها على جورجيا ان تكسب موقفها في مجلس الامن الدولي عند متابعة مناقشة الاجراءات المتعلقة بالمحكمة ذات الطابع الدولي سواء في اختيار القضاة وفي مواصلة تمويل نفقاتها للسنتين المقبلتين، او التمديد لهذه المحكمة بعد انتهاء المدة المحددة لعملها وهي ثلاث سنوات؟
فروسيا سلفت سوريا مواقف عند مناقشة النظام الاساسي للمحكمة فأدخلت تعديلات عليه من شأنها ان تحمي حصانة الرؤساء بحيث لا يُحملون مسؤولية اعمال مرؤوسيهم، وتستطيع روسيا اذا ما شعرت بأن المحكمة منحازة في عملها او ان احكامها قد تخضع للتسييس، ان توقفها عن متابعة ذلك باستخدام حق "الفيتو" او بجعل عدد من الدول تمتنع عن مواصلة مساهمتها في تمويل تغطية نفقاتها.
ثمة من يرى ان سوريا لن تتخذ موقفا من الصراع السياسي القائم بين الولايات المتحدة الاميركية وروسيا يبلغ حد الدخول طرفا في هذا الصراع. وذلك في انتظار قيام الادارة الاميركية الجديدة نتيجة الانتخابات المقبلة، ومعرفة اي سياسة ستنتهجها في المنطقة. وستظل سوريا في فترة الانتظار هذه تمارس سياسة التوازن بين الدول المتصارعة والانفتاح على كل من ينفتح عليها. فسوريا تتخذ مواقفها في ضوء مصالحها ورغم انها كانت على علاقات قوية مع الاتحاد السوفياتي، والجيش السوري مسلح بسلاح سوفياتي، فان هذا لم يمنعها من اتخاذ قرار يقضي بادخال جيشها الى لبنان عام 76 بموافقة اميركية وعربية وعدم اعتراض اسرائيلي ولكن من دون موافقة الاتحاد السوفياتي الذي اعتبر ان دخول هذا الجيش يستهدف الاحزاب والقوى السياسية الحليفة للسوفيات في لبنان وتاليا للتنظيمات الفلسطينية فيه، وقد صح ما توقعه الاتحاد السوفياتي فكان الصدام المسلح بين هذه الاحزاب والجيش السوري وبينه وبين التنظيمات الفلسطينية، وقد انتهى هذا الصدام بوقف الاقتتال بين اللبنانيين وباخراج الفلسطينيين المسلحين من لبنان الى تونس.
لذلك يمكن القول ان المرحلة الحالية التي تسبق الانتخابات الرئاسية الاميركية هي مرحلة ترقب وانتظار لمعرفة طبيعة التحولات التي ستشهدها المنطقة، وفي اي اتجاه سوف تتغير موازين القوى لكي يصير في امكان كل دولة تحديد موقفها واختيار مكانها.
وثمة من يرى ان المنطقة ذاهبة الى التسويات والصفقات وما الصراع السياسي القائم سوى محاولة كل طرف تعزيز موقعه التفاوضي للحصول على التسوية التي تخدم مصالحه اكثر من الطرف الآخر، لان الحرب قد تكون مدمرة للجميع ولن يخرج منها رابح بل يكون الجميع خاسر. وان توازن الرعب هذا هو الذي يدفع جميع الاطراف المتصارعين سياسيا الى التفاهم والتوصل الى حل عادل للمشكلات القائمة في ما بينهم.
ويتوقع اصحاب هذا الرأي ان تقود الادارة الاميركية الجديدة عملية السلام الشامل في المنطقة بين العرب واسرائيل، وتتوصل الى تسوية مع ايران حول الملف النووي، وان يعتمد النظام الديموقراطي في الدول التي لا تزال تعتمد الانظمة الشمولية التي لا تحترم ارادة الشعب ولا حقوق الانسان، وان يكون النظام الفديرالي هو البديل من خطر تعرض اي دولة للتفتيت والتقسيم نتيجة نمو الحركات الاصولية وتصاعد الصراعات المذهبية. وما فترة الهدوء او التهدئة التي ينعم بها لبنان سوى فترة ترقب وانتظار، بحيث يكون العام المقبل مفتوحا على سلام دائم وثابت او مفتوحا على شتى الاحتمالات والتطورات، الا اذا ودّعت ادارة الرئيس بوش الحكم بضربة عسكرية بالتنسيق والتعاون مع اسرائيل.