أوساط أكاديمية فرنسية عن ايران: استدارة ام حرب؟
هل يهيىء الغرب لعمل ما في منطقة الشرق الاوسط لاعتراض البرنامج النووي الايراني قبل انتهاء ولاية الرئيس الاميركي جورج دبليو بوش؟
هذا السؤال مطروح بقوة في جميع المحافل الاوروبية المعنية في فرنسا والمانيا وبريطانيا وايطاليا، وعلى جميع المستويات السياسية والاعلامية المتابعة لتطور الاحداث في الشرق الاوسط الممتد من ايران شرقا الى مصر شرقا، وتدخل من ضمنه منطقة الخليج الحاوية اكبر احتياطات النفط في العالم، والتي تهدد طهران باحراقها وقطع امدادات النفط كل مرة يجري الحديث فيها عن خيار القوة في ما يتعلق بالوسائل المطروحة اميركيا لحسم ازمة البرنامج النووي.
في الأساس، تعتبر اوساط اكاديمية فرنسية مطلعة على تفاصيل البرنامج النووي الايراني (اشترطت عدم كشف هويتها) ان البرنامج المذكور لم يبلغ نقطة اللاعودة، وطهران لا تزال تبعد عن امتلاك القدرات النووية العسكرية مسافة اعوام عدة. وتوضح ان الاهم من امتلاك القنبلة النووية القدرة على ايصالها الى الاهداف المطلوبة، واهمها بالنسبة الى الايرانيين اسرائيل، وبعض القواعد العسكرية الاميركية في المنطقة. والاهم من ذلك كله امتلاك القدرة التكنولوجية الكافية لانتاج اكثر من قنبلة، علما ان المعلومات لم تثبت بلوغ ايران حدودا متقدمة على هذا الصعيد، بل ان معظم ما يجري تداوله في المرحلة الراهنة يدخل باب البروباغاندا السياسية والحرب النفسية التي تشنها اسرائيل واميركا من جهة، وايران من جهة مقابلة. فالمستوى التكنولوجي الحقيقي للبرنامج النووي الايراني متقدم ولكنه، بحسب الاوساط الاكاديمية الفرنسية المشار اليها، لم يبلغ مستويات الدول المتقدمة القادرة على "هضم" مسألة امتلاك سلاح نووي فاعل وقادر على ايجاد موازين قوى حقيقية موازية اقله لاسرائيل.
اين المشكلة اذا؟
المشكلة، دائما بحسب الاوساط نفسها، هي سياسات ايران في الشرق الاوسط، ولا سيما في المنطقة العربية والتي تتوسع تدخلا في شؤون معظم دول المنطقة من العراق الى السعودية وشبه الجزيرة العربية، فلبنان وسوريا وفلسطين ومصر وصولا الى تركيا. هذه السياسات التدخلية التي تخترق المجتمعات العربية ما كانت لتكون خطرة على المستوى الدولي لولا ان طهران تعمل بلا هوادة على ايجاد مسرح نفوذ لها في منطقة يعتبرها الغرب استراتيجية وحيوية تمس الامن القومي للولايات المتحدة، ومعها اوروبا الغربية بدولها الكبرى المعنية مباشرة بالمسرح الشرق الاوسطي. هذه القوى العالمية لا تعتبر ان لايران حقوقا في المنطقة، ولا تنظر بعين الرضا الى محاولات النظام الاسلامي في طهران احداث اضطرابات في قلب الدول العربية، ولا سيما تلك المنتمية الى الدائرة الغربية، من اجل توسيع دائرة النفوذ الايراني تارة لحماية النظام من تدخل غربي محتمل، وطورا لبناء قوة اقليمية عظمى يمكنها ان تزن في ميزان المصالح العالمية على غرار قوى مثل الهند والبرازيل وافريقيا الجنوبية.
وترى الاوساط الاكاديمية الفرنسية المشار اليها آنفا ان الغرب مثلما يستحيل عليه القبول بايران نووية، لا يمكنه التعايش مع ايران محكومة بالنظام الحالي فيها وهي مستمرة في سياستها الهجومية على مساحة منطقة الشرق الاوسط بما يتهدد المصالح الحيوية للغرب ان على صعيد الطاقة، او على صعيد دائرة النفوذ الجيوستراتيجية التي لم تتغير منذ اكثر من قرن ونيف. وايران بسياستها الحالية تمثل تهديدا صريحا لواقع نشأ عن الحرب العالمية الاولى ولم يتبدل في شكل عام منذ ذلك الحين.
ما هي الخلاصات؟
الاوساط الاكاديمية الفرنسية المتتبعة لكل خطوة غربية عموما والاميركية خصوصا، تعتقد ان احتمالات الحرب على ايران واقعية. وانه للمرة الاولى منذ امد بعيد تتقاطع مصالح اميركية – اسرائيلية – اوروبية لمنع نشوء قوة اقليمية في الشرق الاوسط. هذه المصالح تخدم في شكل او آخر استقرار دول المنطقة، كما تخدم في شكل غير مباشر مصالح روسيا التي تلعب الورقة الايرانية بحدود، لكنها تتخوف من تعاظم نفوذها في منطقة وسط آسيا المدى الحيوي الروسي.
فهل يكون خريف 2008 مسكونا بحرب على ايران؟ ام تسبقها طهران باستدارة بمعدل 180 درجة؟