..وما زال المخطط الانقلابي مستمراً!
قبل تأليف الحكومة وبعدها، كتبنا أن جماعة 8 آذار، لن تشارك فيها إلا كحكومة مستقلة داخل الحكومة. لها حكومتها باستراتيجياتها ورئيسها (من الخارج) ومرجعياتها وأهدافها. وهكذا يكون لدينا حكومتان وكتلتان متوازيتان قد تلتقيان بإذنه تعالى وقد لا تلتقيان بإذن الوصايتين وأكثر. حكومة وصاية داخل الحكومة الشرعية، تتنازعان الحضور والقرارات بحيث تتوصل حكومة حزب الله "المستقلة" (8 آذار مختزلة) الى إبطال "الحكومتين" معاً، تؤازرها، "حكومة" الشارع، ببؤرها الأمنية الثابتة والمتحركة، ومن هناك، تكون حكومة الشارع أداة ضغط تخريبية ومؤيدة لتعطيل أي مفاعيل محتملة، وأي حكم متماسك محتمل، وأي لبنان سيادي، أو استقلالي. حكومة "حزبية" داخل الحكومة الشرعية، لتكون حكومة الوصايتين المستقلة عن لبنان ذريعة للوصول الى اللاحكومة، واللاشرعية، واللاقرار، واللااستقرار، واللافاعلية. حكومة داخل الحكومة وضدها، داخلها وخارجها، لها إعلامها التحريضي، والتخويني، والتسويقي، والاتهامي، يبدد كل إطار توحيدي حتى على المستوى الاعلامي ولهذا يمكن القول ان "الحزب" ومستتبعاته وعلى رأس هؤلاء "ميشال هللويا"، لهم وزير اعلامهم الخاص ولهم وزير داخليتهم بالتوازي مع وزير الداخلية الأصيل، ولهم رئيس وزرائهم في مواجهة الرئيس السنيورة. وهذا ما يفسّر مطالبة عون (مسترئس الحكومات والجمهوريات والمخاتير والبلديات) بصلاحيات لنائب رئيس مجلس الوزراء، وفي هذه الظروف ولأسباب انتخابية ومذهبية أيضاً، من دون أن يطالب مثلاً بصلاحيات لنائب رئيس المجلس النيابي أو سواه.هذا يعني أنه في موازاة الدولة اللبنانية يكرّسون دويلتهم. وفي موازاة الجمهورية يكرّسون كانتونهم "الجمهوري"، وفي موازاة الخريطة اللبنانية يرسمون خريطة "لبنانهم"، وفي موازاة رئيس الجمهورية يستنفرون رئيس "جمهوريتهم" غير المعلن. وفي موازاة قانون انتخاب عتيد يصوغون قانون انتخاب آخر يشهرونه ذريعة لتعطيل أي انتخاب إذا لم يفوزوا بها تحت شعارات معروفة "المال السياسي"، أو التزوير، أو شراء الضمائر… إلخ.
وعليه، فإن المنحى الانقلابي الذي شرعوا بتنفيذه منذ ثلاث سنوات يبقى مستمراً على مختلف المستويات: خلط الصلاحيات، التشكيك بشرعية القرارات، تسويف التفاهمات، تخريب قرارات المؤتمرات من الطائف الى الدوحة وصولاً الى طاولة الحوار. والى البيان الوزاري. إذن المطلوب أن تكون الدولة مجرد ظلال، أو تضارب إرادات، أو تبادل إلغاء. وهكذا يطلع "أحدهم" مثلاً ليعلن أن لا طاولة حوار بدون قانون انتخاب، وغداً قد يعلن أن لا قانون انتخابات بدون طاولة حوار، وربما يعلن بعد غد، أن لا قانون انتخابات ولا طاولة حوار إلا إذا عينوا هم من يشارك ومن لا يشارك في هذا المنصب أو تلك الوظيفة لتفتح كل الأشياء على مصاريعها: بابل داخل الحكومة. وبابل داخل طاولة الحوار. وبابل داخل الجمهورية. وبابل داخل الشارع. وبابل في مخططات ضرب كل مركزية في السلطة وفي الدولة. أي تفكيك كل ما يتصل بالاجماع أو التوافق أو المبادرات، ليبقى الحزب وحده "متماسكاً": يبقى الجمهورية الكانتونية التي تفترس الجمهورية. أي استبدال الواقع بالأمر الواقع، والقرار الوطني بقرارات فئوية طبعاً خارجية وإحلال الأقلية في موضع الأكثرية، والاستبدادية محل الديموقراطية، والأحادية محل التعددية والمشاركة. وعندها، وإزاء "القرارات" المتواجهة، قرار الحزب الأوحد المنضبط في أمور الحرب والسلم، والاقتصاد، والأمن، والاتصالات، والسياسة الخارجية والجيش، والداخلية، بحيث يستنزف كل شيء: الدولة، والحكومة، والسلطة، والنظام، والجيش، والاقتصاد، تحت سيف مصلت: سلاحه! أقصد سلاح المقاومة السابق متحولاً سلاحاً يصوّب على الأكثرية الديموقراطية: سلاح الانقلاب الأمضى!
وهذا ليس بمستبعد عن أقلية هي وارثة سيئات النظام الأمني المشترك، بتوجهاته القمعية والبوليسية والاستفرادية، والاستفراسية، تعطل فيه إرادة الناس، وآمالهم، ومجتمعهم المدني بأدواته، وهيئاته، وأحزابه ونقاباته ومؤسساته. وهكذا يكون السلاح ومخطط الغزو والاستباحة والتهديد والتخوين والاغتيال في مواجهة الحضور السلمي، الديموقراطي. ولهذا، يُحفِّر حزب الله مع مستتبعاته (وعلى رأسهم جنرال الاستتباع والأدوار المستعارة، كوكيل معتمد لحزب الله أي كوكيل معتمد مباشر للوصايتين)، هذا التفكك في بنية المجتمع. والدولة والنظام، وتحويل كل شيء حطاماً.
ومَنْ يتابع تصريحات جنرال التخريب هذه الأيام (كما في السابق)، وتصريحات بعض المسؤولين في حزب الله، وإعلانهم الوثائق تلو الوثائق مع بعض "الشلل"، وإبقاءهم على البؤر الأمنية القديمة والمستحدثة، والتهويل، والوعيد، وشهر الأصابع، والألسنة، يعرف الى أي مدى يمعنون في دك أسس كل لقاء أو حوار، وتشتيت كل وحدة في مستوى السلطة، وتبديد كل تضامن في أمور الحكم. ويكفي أن تعود لغة الترويع بـ"إمّا" كذا أو كذا… ليعرف المتابع كم أن الحزب متوغل في سياسة التناقض المقصودة بين ما يدعو إليه أحياناً من وفاق والتفاف حول الدولة، ووئام، ووحدة، ومشاركة، وبين ما يتنكر له، بلا أسف، ولا تبرير. وكأن لحْسَ التواقيع، ومسح الموافقة على القرارات باتا جزءاً من سماته، وشخصيته: نقبل قرار 1701 ثم لا نقبله. نوافق على المحكمة الدولية ثم لا نوافق. ندعو الى طاولة الحوار ثم نلغيها. أو نلغمها. نوافق على مقررات الدوحة ثم نمحوها. نؤيد الطائف ثم ننقضه. نتعاون مع "اليونيفيل" ثم نتهمها بمطاردة المقاومة! نُرحّب بالحوار ثم نخَوِّن الطرف الآخر ونفرض الشروط التعجيزية. نعلن عدم استخدام السلاح في الداخل ثم نستخدمه. نهتف أن "الفتنة وراءَنا" ثم نفرش بالدم كل الفتن أمامنا… وهكذا دواليك، ذلك أن الحزب وبمستتبعاته (وعلى رأسهم ميشال هللويا)، يستند في كل تضارباته، وحريته في التراجع، والتقدم، والكر والفر، باعتبار أنه مسلح، والآخرون عُزَّل، وأنه مدعوم بوصايتين قويتين بالسلاح وإرادة التحكم، وسطوة المخابرات، وفاعلية المال (النظيف طبعاً: نوع من تبييض الأموال بالنضال)، مقابل خصوم قرروا عدم الرد حتى على اعتداءات الحزب، بالعنف. وإنما بالوسائل السلمية. على هذا الأساس يأخذ الحزب "راحته" بمحاولة شق صفوف الأكثرية (وهو ومستتبعاته الأقلية) بالفتن المذهبية في الوقت الذي يستنكر الفتن لأنها تخدم العدو الصهيوني. والطريف أن مثير الفتن المذهبية يعترف بأن المستفيد منها العدو: فهل يفيده حيث لا يستطيع أن يفيد، فيسدي له الخدمات الجلى بتقسيم المجتمع، وضرب الاقتصاد، وتفكيك الدولة، والحروب الأهلية. وما يقوم به في هذا المجال ليس جديداً: إنما السياسية الاستعمارية "فرق تسد" (من العثمانيين الى الفرنسيين الى الانكليز، فالأميركان)، وسياسة "الأشقاء" الذين باسم حماية الطوائف من بعضها يبذرون الشقاق بينها، ويغذون الفتن الطائفية: فما أجمل الاطفائي الذي يُشعل الحرائق ليطفئها!
وانطلاقاً من كل ذلك، (وكما سبق أن كتبنا في هذه النقطة)، لا مجال جدياً لحوار، سواء الى طاولة حوار أو تحتها أو فوقها أو في مؤتمر أو في لقاء. لا شيء! فالحوار يعني أن يشارك الجميع ومن مواقع متساوية (في السلاح والارادة) في صناعة القرارات وصولاً الى قرارات الحرب والسلم. وما يحكى عن خرافة مناقشة "استراتيجية دفاعية ضد اسرائيل" يكون للجيش فيها (أي للدولة) الدور الأساسي مجرد خرافة وأكثر: لأن المشاركة في مثل هذه الأمور لا تتحمل أن يشارك فيها أحد بالنسبة لحزب الوصايتين (وأكثر)، حتى الشعب اللبناني والمجتمع والأحزاب وحتى حلفاؤه (وعلى رأسهم "رومل المقاومة" ميشال هللويا الذي غمرنا بانتصاراته العسكرية على امتداد ثلاثة عقود لم يربح في "انتصاره" أي معركة! وإنما فاز من الغنيمة بالهروب من ساحة القتال تاركاً جنوده وضباطه بلا قيادة!). إذاً لا يحق للشعب اللبناني أن يشارك في المقاومة على الأرض اللبنانية. ولا الجيش ولا الناس. ولا الحلفاء: وحده الحزب الالهي إنما بقرار الوصايتين المقدستين (بإذنه تعالى!). يحتكر هذه المهمة التي يبدو أنها صارت "مهنة"، وهذا ينسحب على كل شيء: فعليك ألا تشارك في مؤتمر الحوار بجدية لكي تكون مشاركاً. وعليك أن تغيب وأنت في مؤتمر الحوار لكي تكون حاضراً…
وهكذا علينا أن نعيّن قائداً للجيش لا يكون قائداً للجيش فيكون عندها بالنسبة لحزب الله القائد الأمثل والوطني وربما المقاوم الأول كما كان بطل المقاومة الأشم اميل لحود. وعلى الوزراء في الحكومة ألا يكونوا وزراء لكي يكونوا بالنسبة للحزب وزراء وطنيين وربما مقاومين. أكثر وعلى الرئيس فؤاد السنيورة ألا يكون رئيس حكومة لكي يكون رئيس حكومة وبطلاً. يعني على جميع أهل الدولة أن يستقيلوا من الدولة ليكونوا في دولة قوية لأنها تابعة لحزبه تعالى! وعلى الشعب اللبناني، بطوائفه وأحزابه ومذاهبه كلها، أن يتخلى عن هويته اللبنانية، وعن إرادته، وعن انتماءاته، ليكون فعلاً شعباً لبنانياً مقاوماً مؤمناً بأنه لم يوجد إلا ليخدم الوصايتين، ولم يوجد إلا ليكون وقوداً دماً ولحماً ومصيراً في حرائق الوصايتين! وعندها يستحق أن يكون شعباً عظيماً (تماماً كما استحق الحزب هذه الصفات) لا شعباً عميلاً خائناً يخدم العدو الاسرائيلي والأميركي وسائر "أعداء" الوصايتين بمجرد أن يطالب بمشاركته في مثل هذه القرارات!
إذاً، كل ما على الأرض وما تحتها وفوقها، يجب أن يكون في خدمة المخططات الخارجية التي ينفذها حزب الله، ليكون للكائنات البشرية والحيوانية والنباتية والسماوية معنى! وإلا، فيمكن تخوين كل هذه الكائنات: الشجر، الناس، الجبال، البحار، الدجاج، الطيور الموتى وغير الموتى!
إزاء هذه الذهنية الحزبية الموثقة والمبرمجة بروابط الخارج الشقيق والأعجمي، هل يبقى من أمل لحوار أن ينعقد، وللحكومة ان تحكم، ولرئيس الجمهورية أن يكون رئيساً للجمهورية (يريدون نسخة طبق الأصل عن اميل لحود "المقاوم الأول"!)، وللشعب أن يكون له إرادة، وللشرعية أن تكون شرعية، وللجيش أن يكون جيشاً، وللنظام أن يكون نظاماً، وللكيان أن يكون كياناً.
ولهذا نكرر ما سبق أن قلناه مراراً: لا تصدقوهم! فهم يلعبون على الوقت لمعاودة تنفيذ منقلباتهم، والسطو على البلد، وتخريب دوره، وتاريخه، ومستقبله، وضرب سيادته واستقلاله ومعانيه. لا تصدقوهم لأنهم يريدون بلداً تبدأ حدوده بإيران وتنتهي بإيران. بلداً لا يحكمه أحد من ناسه، ولا من أحزابه…
لهذا يُفتتون كل البنى القائمة، لتبقى بنيتهم الوحيدة المتماسكة. يشقُّون الطوائف واليوم التركيز على السنّة لأنها حققت مع 14 آذار الاستقلال، ولأنها سلمية ولبنانية وعروبية، وعلى ولاء للشهيد رفيق الحريري، تماماً كما هي الطائفة الدرزية التي حاولوا أيضاً شقها، وبمن؟ تعرفون الجواب! بعدما نجحوا باستيعاب عون ليكون "الدفرسوار المسيحي"! وهكذا دواليك: كما يحاولون شق الجيش وجعله عدة جيوش، والحكومة وجعلها عدة حكومات، ومجلس النواب وجعله إما مجالس نيابية عدة أو مجرد ناطور لانتهاكاتهم الدستورية!
لا تصدقوهم! فالمؤمن لا يلدغ من الجحر مرتين، فما بالك إذا كان جسمه مليئاً باللدغ… مرات ومرات!