"القوات اللبنانية" تستولي على وزارة الخارجية.. وطاولة الحوار الوطني "تؤمّن" حماية "حزب الله"
عملية "بتر الأذرع الإيرانية" تدق أبواب لبنان
مرّت أربع وعشرون ساعة على نشر "وكالة الصحافة الفرنسية" تصريحاً "غريباً" لوزير الخارجية والمغتربين فوزي صلوخ، ولم يتم لا نفي الخبر ولا تقديم توضيحات بشأنه، مما يجعل كلام صلوخ قابلا للإستعمال الداخلي والخارجي معا.
ماذا قال صلوخ ؟
ببساطة تحدّث بمنطق القوى السياسية التي تجزم بأن البيان الوازري لم يُعط "حزب الله" بصفته "المقاومة الإسلامية في لبنان" أيّ حق "متفلّت" من مرجعية الدولة وفق الآليات المنصوص عنها في الدستور "لتحرير ما تبقى من أرض لبنانية"… وخلافه.
وقال صلّوخ إن ادّعاءات إسرائيل بأن الحكومة شرّعت لـ"حزب الله" القيام بأي عمل هو "تخيّلات إسرائيلية للإساءة الى صورة لبنان داخليا وخارجيا، وهو تهويل من الإستخبارات والموساد".
وبهذا الكلام يبدو صلّوخ وكأنّه الوزير طوني كرم، أي أن من سمّاه وزيرا في الحكومة وسلّمه حقيبة وزارة الخارجية ليس "توافق" حركة أمل و"حزب الله" بل رئيس الهيئة التنفيذية في "القوات اللبنانية" سمير جعجع، الذي شنّ عليه "حزب الله" حملة شعواء لأنّه قال منذ إقرار مسودة البيان الوزاري في مجلس الوزراء ما يقوله اليوم الوزير فوزي صلّوخ.
وبطبيعة الحال، لم يتعرّض صلّوخ لحملة "إدانة" نظمها ضده "حزب الله" وأشرك فيها بعض نواب "التيار الوطني الحر"، ولا قيل إنه يُرضي "أسياده في البيت الأبيض" ولا تمّ تذكيره "بالعملية الموضعية في السابع من أيار"، بل جّل ما فعله أنّه "أهمل" هذا التصريح المُرسل حصرا الى دوائر القرار الخارجية وألهى جمهوره بتصريحات لقياديين من الدرجة "العاشرة" عن "حتمية الإنتقام" لعماد مغنية الذي اغتيل في أهم منطقة أمنية في دمشق.
ويعني ذلك أن "حزب الله" هو الذي طلب من صلّوخ ـ أو أجاز له ـ إطلاق هذا الموقف، على الرغم من "تناقضه" المطلق مع أدبيات "حماة المقاومة" بالحسنى والإستيعاب حينا، وبالتهديد والتخوين حينا آخر، وبالسلاح و…"مسائل أخرى" أحيانا.
ولكن ما هو هدف "حزب الله" من "سرقة" تفسير قوى الرابع عشر من آذار لمضمون البيان الوزاري؟
ثمّة من يؤكد أن الحزب يستشعر جدية التهديدات الإسرائيلية للأسباب الآتية :
أوّلا، حاول الحزب بداية أن يرد على هذه التهديدات بحرب نفسية، فسرّب أنه يملك منظومة دفاع جوّي متطورة وأن خلاياه في الخارج يمكنها أن تخطف إسرائيليين، وأن صواريخه قادرة على حرق الداخل الإسرائيلي،ليكتشف أن كل ذلك لم ينفع، بحيث تعاطت تل أبيب مع هذه التهديدات كأنها حقيقة مطلقة وأوجدت في مواجهتها ما تعتبره "الآليات الوقائية".
ثانيا، يعتبر "حزب الله" أن اللحظة السياسية الإسرائيلية مؤاتية لعمل عدواني، لأنّه حتى لو سلّم إيهود أولمرت رئاسة الحكومة لمسؤول في حزب "كاديما" فإنّ القيادات الإسرائيلية سوف تضع عينها على الإنتخابات العامة، الأمر الذي سيشجع المرشحين الضعفاء نسبيا المشاركين في الحكومة على خوض حرب يُثبتون فيها أن ما افتقدته إسرائيل مع أولمرت حققته معهم، الأمر الذي سيلقى قبولا في المؤسسة العسكرية الإسرائيلية حيث الحاجة الى استعاة هيبة ردعية فقدتها لدى الجمهور، وحيث حاجة رئيس أركانها الى حرب يُمكن أن تسمح له بالإنتقال لاحقا الى المستوى السياسي.
ثالثا، توافر مخاوف في دوائر القرار الإسرائيلي من إقدام الرئيس السوري بشار الأسد على "مغامرة ضرورية" تُثبت دعائم حكمه المتصدّعة "بالتفلت الأمني النوعي"، من خلال شنّ حرب "مدروسة" على إسرائيل من أجل الحصول على شرعية داخلية للتسوية السلمية وعلى "عفو عام" من المجتمع الدولي، وفي حال سار قدما بتصوّره فهذا يعني أنه سيستدعي "حزب الله" الى الجبهة، مما يدفع بإسرائيل الى تطويق "حلم البطولة" لدى الأسد من خلال تجديد ضمانة "طواعيته"، من خلال "شلّ وقائي" لـ"حزب الله" ومعه فاعلية "العمق الإستراتيجي اللبناني" لأن القوى السياسية في لبنان برئاسة العماد ميشال سليمان لن تكون أقلّ استعدادا من الوقوف مع بشار الأسد مما كان عليه الرئيس الراحل سليمان فرنجية مع الرئيس السوري الراحل حافظ الأسد في حرب العام 1973.
رابعا والأهم ، يُدرك "حزب الله" أنّ المواجهة المفتوحة بين المجتمع الدولي من جهة وبين إيران من جهة أُخرى، تستدعي عملية "تقطيع الأذرع". هذا ما فهمه الرئيس السوري بشار الأسد (قبل تطور جورجيا القوقازية الذي أيقظ الحلم النائم) حين ارتمى في الحضن الإسرائيلي بالشفاعة التركية وحين تفاعل إيجابا مع الشروط الفرنسية للإنفتاح على نظامه .عمليا كان الأسد يُبلور خطة بديلة هدفها توفير مظلة توهم دوائر القرار بأنّه مستعد للإنسحاب من الحلف الإستراتيجي مع إيران، وتاليا وجوب عدم التعاطي معه وفق توصيف الذراع بل وفق توصيف المعادلة المؤهلة لتوكيد استقلالها حين تدق ساعة الحسم. وهذا ما فهمته "حركة حماس" في غزّة، بحيث "سرقت" معادلات "فتح" للمحافظة على اتفاق الهدنة المعقود مع إسرائيل، الأمر الذي نقل "حماس" عمليا من وضعية "الذراع الإيرانية" الى وضعية "المعادلة السلطوية". وهذا ما يتحقق تدريجيا في العراق، بحيث تمكنت الحرب المفتوحة لتقوية السلطة المركزية في تقطيع كثير من الأذرع الإيرانية وفي شل ما تبقى منها، من خلال تقوية العنصر العراقي العربي على "العنصر الإيراني". وفي هذا المشهد يبقى لبنان، حيث لا يستطيع "حزب الله" لأسباب كثيرة أن يتخلّى عن وظيفته الإيرانية، وتاليا فهو في نظر المجتمع الدولي ذراع إيرانية لا بد من "بترها" حتى تضعف أوراق إيران وترضخ سلميا لقرار تجميد تخصيب الأورانيوم.
وهنا بالتحديد يمكن اعتبار أن تصريح صلّوخ "الغريب" يقع في سياق محاولة "حزب الله" الإيحاء بأنه "معادلة لبنانية" وليس "ذراعا إيرانية"، وتاليا فهو ينتقل الى اعتماد تكتيك عُرف به الرئيس الراحل بشّار الأسد، بحيث يُبقي خصمه في موقع المراهن على قابليته في تغيير موقعه وسلوكه.
ولعلّ هذه القراءة الإستراتيجية يُمكنها أيضا أن تُفسّر لماذا خاض "حزب الله" صراعا سياسيا مفتوحا ليحظى بغطاء الشرعية اللبنانية من خلال عبارة في البيان الوزاري، خصوصا بعدما بيّنت "قواعد السلوك" التي اتبعتها إسرائيل في حرب تموز 2006 أن حربها تنحصر باستهداف "حزب الله" ولا تتوسع لتستهدف الدولة اللبنانية، وتاليا فإنّ "حزب الله" يُصبح مؤسسة مُحصّنة متى كان في "حمى الدولة" ولكن ليس في "كنفها".
وهنا أيضا، يُمكن إيجاد تفسير لما سمّي بعملية السابع من أيار، بحيث استعجل "حزب الله" بواسطة السلاح الدخول الى "الدولة الحامية" بعدما وجد أنّ الإستحقاق الإقليمي الحاسم يتقدّم فيما قوة الدفع التي شاءها من حركة التعطيل المتدثرة بالديموقراطية المطلبية، قد تلاشت نهائيا.
إلا أن إسرائيل التي تفهم "حزب الله" بقدر ما يفهمها "حزب الله" قلبت الآية، فجعلت كل الدولة اللبنانية في المرمى فكان تصريح صلّوخ الذي لا يُغني ولا يُسمن، بالمحصلة.
لذلك، فإن المدخل الى حماية لبنان ومعه "حزب الله" يتوافر في القصر الجمهوري حصرا، فمتى دخل "حزب الله" الى طاولة الحوار، بموجب إتفاق الدوحة، أي "الآن" وبالتركيبة التمثيلية ذاتها ، للبحث في الإستراتيجية الدفاعية يُثبت لبنانيته وخروجه من الوظيفة الإيرانية أو السورية أو الإيرانية ـ السورية، على اعتبار أن "حزب الله" متى وضع سلاحه على طاولة البحث أصبح حلّه بيد اللبنانيين ولا يعود أداة بيد إيران وجب شلّها، ولا يبقى ورقة بيد بشار الأسد وجب حرقها، وكلّ تأخير عن الولوج الى القصر الجمهوري يستدعي المخاطر لأنه بمثابة اعتراف من الحزب بأن مسألة البحث في سلاحه ليست بيده وعليه تأخيرها الى حين تستنفد أغراضها الإقليمية، وفي هذه الحالة ماذا يمكن للسان فوزي صلّوخ أن يُنتج؟!