#dfp #adsense

نظام دمشق يحاول إرباك العهد الجديد والتملص من التزاماته “النظرية” حيال لبنان

حجم الخط

نظام دمشق يحاول إرباك العهد الجديد والتملص من التزاماته "النظرية" حيال لبنان

لم يكد حبر بيان القمة اللبنانية-السورية يجف حتى ظهرت ملامح خطة سورية لاضعاف النظام اللبناني وافراغه من كل عناصر القوة، كي يتملص نظام دمشق من التزاماته النظرية الواردة في ذلك البيان، واذا التزم بتنفيذ بعضها، اي اقامة علاقات ديبلوماسية، فانه سيقيم هذه العلاقات مع شبه دولة.

ولاحظ المراقبون انه فور عودة رئيس الجمهورية ميشال سليمان، بعد ان رافقت زيارته اصداء جريمة طرابلس الارهابية المعروفة الاهداف، بدات قوى "المعارضة" حملة منظمة من داخل وخارج المؤسسات الدستورية، تهدف الى نسف اية اسس يمكن ان تقوم عليها الدولة.

اولا: اقترح امين عام "حزب الله" حسن نصر الله اضافة بنود جوهرية واساسية الى طاولة الحوار الوطني المزمع انعقادها في القصر الجمهوري، واعتباره ان مناقشة استراتيجية الدفاع الوطني، لا تقل اهمية عن مناقشة استراتيجية وطنية لاعادة بناء الدولة، وستراتيجية وطنية لمعالجة الوضع المالي والاقتصادي.

لا شك ان هاتين الإستراتيجيتين مهمتان جدًا، ولكن الاقتراح غير بريء، وفقًا للمراقبين، اذ ان اتفاق الدوحة كان واضحًا في ضرورة مناقشة موضوع السلاح، وقد بدا ذلك فعلا في العاصمة القطرية، على ان يستكمل في لبنان، واليوم فان الاولوية لاكمال هذا البحث وليس لحشر مواضيع اخرى تضيع الجدوى الحقيقية المرجوة من طاولة الحوار. وهنا تبرز اولى ملامح الخطة السورية، ومن خلفها ايران بالتاكيد، المتمثلة بالاحتفاظ بالسلاح الى ما لا نهاية، وفي هذا نسف لاول اسس قيام الدولة التي تملك حصرية امتلاك السلاح واستخدامه لبسط سلطاتها على جميع اراضيها.

الامر الاول خطير من دون شك، ولكن الاخطر هو ان نصر الله عندما اقترح مناقشة استراتيجية وطنية لبناء الدولة، تجاهل تمامًا ان هذه الإستراتيجية موجودة بالفعل في اتفاق الطائف الذي سبق وان كلف اللبنانيين حربًا اهلية مدمرة وقاتلة دامت اكثر من 15 سنة.

واذا كان نظام الوصاية السورية منع تنفيذه فهذا لا يعني انه غير صالح، الا اذا اراد "حزب الله" بالتفاهم مع النائب ميشال عون، طائفًا جديدًا يقوم على اساس ميزان القوى الحالي، اي بالاستناد الى قوة السلاح الذي استخدم في الداخل في ايار الماضي، واجبر قوى الغالبية على الرضوخ لبعض مطالب قوى 8 اذار.

اما المطالبة باستراتيجية وطنية لمعالجة الوضع الاقتصادي، فتبدو اقل خطرًا من سابقتها، ولكنها في الواقع تكملها، اذ ان السياسة الاقتصادية في اي بلد هي شان الحكومة، وقد عرضت حكومة الرئيس فؤاد السنيورة الثانية خطتها في البيان الوزاري ووافق عليها "حزب الله" والاخرون، لذا فان المطالبة باستراتيجية خاصة الان، هي الغاء للبيان الوزاري بذاته، واسقاط لمبرر وجود الحكومة، وفي هذا ايضًا نسف لاحد اسس وجود الدولة.

ثانيًا: الهجوم على اتفاق الطائف استكمله النائب ميشال عون من خلال الهجوم على صلاحيات رئيس الحكومة، والمطالبة بصلاحيات خاصة لنائب الرئيس، وهو الموقع الذي يحتله الان احد جنرالاته، وصحيح ان لهذه المطالبة هدفًا مباشرًا هو تحريض الشارع المسيحي ضد الشارع السني، املا في تعويض عون لخسارته الشعبية، تحضيرًا لانتخابات العام المقبل، ولكن ما غفل عنه كثيرون وانتبه له جيدًا النائب سعد الحريري، هو ان عون يريد جعل الحكومة حكومتين، لايجاد اكثر من راس لها، وبالتالي تعطيلها، وهنا وجه اخر من وجوه الخطة السورية.

وعلى المدى الابعد فان مطالبات عون المتكررة بتعديل الطائف، معطوفة على الاختراق الكبير الذي اصاب هذا الاتفاق في الدوحة، عندما تم التراجع عن الدوائر الانتخابية الكبرى الواردة في نصه لصالح الدوائر الصغرى، هذه المطالبات تخفي رغبة اكيدة بدفن اتفاق الطائف نهائيًا وذلك يقتضي تصعيد وتسعير الاشتباك السني-المسيحي الذي يريده عون بقوة، ويتفرج عليه "حزب الله" بهدوء، لانه يريحه من وطأة الفتنة السنية-الشيعية التي اطلقتها احداث أيار الماضي.

الا ان اسقاط اتفاق الطائف، وهو اساس وجود الدولة في لبنان، يتطلب اسقاط قوى "14 اذار" مجتمعة ومتفرقة، ويقع في صلبها "تيار المستقبل" كونه الممثل الاساسي للطائفة السنية، لذلك يتعرض هذا التيار الى سلسلة من الهجمات العسكرية والسياسية، بدات باحتلال بيروت وانتقلت الى طرابلس لتجعلها مدينة شبه ميتة، بالاضافة الى عدد من مناطق البقاع، هذا على المستوى الامني، اما سياسيًا فقد حاول "حزب الله" تحقيق اختراق من خلال توقيع وثيقة التفاهم مع عدد من الجمعيات السلفية الضعيفة للغاية، ولكن المحاولة فشلت.

وهكذا فان التصعيد والتوتير الامني يهدف الى اظهار عجز "تيار المستقبل" عن حماية الطائفة السنية، وكذلك القوى الامنية الرسمية، وتهدف التفاهمات التي يريدها "حزب الله" مع بعض الاطراف السنية، لتقديم نفسه بديلا امنيًا قادرًا على حماية المتفاهمين معه.

ثالثًا: يامل حلفاء دمشق في لبنان في ان ينفرط عقد التحالف بين قوى "14 آذار" لتزول اخر العقبات السياسية والشعبية امام اعادة الوصاية السورية الى البلد، ولو باشكال مختلفة عن السابق، ويراهن هؤلاء على الانتخابات النيابية المقبلة لتغيير السلطة في البلد، والحصول على اغلبية نيابية مريحة قد تصل الى ثلثي مجلس النواب، ليتمكنوا من تعديل الدستور.

رابعًا: شكلت الحملة على الرئيس فؤاد السنيورة على خلفية زيارتيه الى كل من مصر والعراق، الوجه المفضوح للخطة السورية، اذ انها هدفت عبر ابواق حلفاء دمشق في لبنان، الى رمي الفرقة بين السنيورة ورئيس الجمهورية، وهذا يعني تحويل السنة الاولى من عهد الرئيس سليمان، بعد اضاعة اشهر منها في تعقيدات تاليف الحكومة وصياغة البيان الوزاري، الى سنة مناكفات وخلافات، وعندما تحل السنة الثانية يكون للبنان مجلس نيابي جديد وحكومة جديدة تامل دمشق ان يكون في صفها، فتتحكم هي بالعهد الرئاسي لاربع سنوات اخرى.

ويلفت المراقبون الى ان زرع الفرقة والخلاف بين رئيسي الجمهورية والحكومة سياسة معتادة ومفضلة لدى الجانب السوري، وقد اتت ثمارها دائمًا في عهد الرئيسين السابقين الياس الهراوي واميل لحود، والجميع يذكر ان المناكفات بين الموقعين اضعفت كليهما، وجعلتهما اسيرين لتدخلات "الوسيط" السوري، غازي كنعان ومن بعده رستم غزالي.

كل ما سبق، يجمعه خيط واحد يعبر عن الارادة السورية باسقاط الدولة في لبنان، او على الاقل اضعافها وتحويلها الى شبه دولة، وبذلك تسقط نظرية العلاقات الندية بين بلدين مستقلين، رغم ان النظام السوري لم يستطع التجاهل الى ما لا نهاية مطالبات اللبنانيين والمجتمعين العربي والدولي للاعتراف باستقلال لبنان، واقر بمبدا العلاقات الديبلوماسية، ولعله سينفذ هذا القرار، ولكنه يامل انه حتى الوصول الى هذا الموعد التاريخي، يكون لبنان قد تمزق بخلافاته الداخلية، فيقدم مبررا لهم للتملص من التزاماته، او للتدخل فيه مجددًا، في عودة الى نظرية وحدة المسار والمصير.

المصدر:
السياسة الكويتية

خبر عاجل