خطة شيعية-عونية تدعمها دمشق وطهران لإطاحة اتفاق الطائف واستبداله بصيغة جديدة
تطرح العناوين السياسية الخلافية في لبنان مفارقات كبيرة راهناً، خصوصاً ما يتعلق منها بمحاولات اختراق اتفاق الطائف تمهيداً لإسقاطه، أو النفاذ إليه للعبث ببعض البنود الميثاقية التي ترسي توازنات وطنية وطائفية يقوم عليها لبنان وكان الاتفاق عليها في العام 1989 سبيلاً إلى إنها الحرب اللبنانية.
والمفارقة الأبرز تطل من خلال الطموحات المستعادة لتعديل اتفاق الطائف، على قاعدة إعادة المسيحيين إلى الدولة من خلال استعادة صلاحيات رئاسة الجمهورية، وهذا ما يتناقض مع منطقين:
– اتفاق الدوحة الذي جاء في متنه التزام باتفاق الطائف كدستور للبنان، خصوصاً أن اتفاق الدوحة جاء على شكل تسوية سياسية لم تتطرق إلى مضمون الصيغة اللبنانية التي كان اتفاق الطائف قد كرسها.
– رؤية البطريرك الماروني نصر الله صفير التي تقول بتأجيل البحث في أي تعديل على اتفاق الطائف، لأنه لم يطبق أصلاً ولم يتبين الصواب من الخطأ فيه.
وعندما كانت بعض الأطراف تطالب في عهد الوصاية السورية على لبنان بإجراء تعديلات على اتفاق الطائف، كانت القوى السياسية الأساسية المعنية بحماية الطائفن وعلى رأسها البطريركية المارونية، تدعو بداية إلى التطبيق السليم لهذا الاتفاق الذي بات هو الدستور اللبناني، لكي يتبين لدى تطبيقه عملياً ما إذا كان فيه ثغرات تستدعي تعديلاً أو تطويراً أو توضيحاً. فهذا الاتفاق كان على مدى 19 عاماً ينفذ انتقائياً برعاية دمشق، التي تولى المسؤولون فيها مهمة تفسيره عندما كان يقع خلاف حول بعض البنود أو تتضارب الصلاحيات.
وفي الوقت الراهنن يفترض أن الطائف ولأول مرة أمام فرصة حقيقية لوضعه موضع الاختبار، من دون وجود الراعي الإقليمي الضابط، وبالتالي فان الالتزام به وتفسير مقاصده ومراميه يخضع للبنانيين دون سواهم.
فهل برزت في هذا الاتفاق الثغرات التي تتطلب تعديلاً أم أن الخلافات المستعرة على كل الجبهات حول تفسير بنوده مردها الصراعات السياسية الدائرة وليس الدستور نفسه؟
نظرياً يمكن القول إنه ظهرت الكثير من الثغرات، أما عملياً فإن هذا الاتفاق ما يزال حبراً على ورق في تفاصيله، وما خضع منه للتطبيق هو تلك العناوين الكبرى التي فوجئ الجميع بأن البعض في لبنان يريد تقديمها على مذبح الحل والتسوية.
فالطائف، وتحقيقاً لمبدأ الفصل بين السلطات وتوازنها وتعاونها من دون تداخل وتشابك بين الصلاحيات، جعل كل رئيس مسؤولاً عن مؤسسته وعن سلطته, فرئيس الجمهورية هو رمز وحدة الوطن والحكم عند حصول تشابك في الصلاحيات أو اعتداء سلطة على صلاحيات سلطة أخرى, ورئيس الحكومة هو المسؤول عن حكومته أمام مجلس النواب الذي يمنحها الثقة أو يحجبها عنها ويحاسبها على أعمالها، أي أن النظام يقوم على قاعدة رؤساء ثلاثة, لكل منهم عمله وصلاحياته.
وتاليا، فإن رئيس الجمهورية هو الحكم ورئيس الوزراء يحكم ويكون مسؤولاً عن أعماله وأعمال الوزراء، ورئيس مجلس النواب يدعو المجلس إلى مراقبة أعمال الحكومة ومحاسبتها، فلا يكون اعتكاف لوزير أو وزراء لم ينص عليه الدستور، ولا مخالفة وزير لقرارات مجلس الوزراء بعد صدورها أو الامتناع عن توقيع مراسيم اقرها هذا المجلس.
والسؤال الذي تطرحه أوساط سياسية ونيابية هو: هل التزمت كل مؤسسة عملها ومارست صلاحياتها من دون ارتكاب مخالفات أو إساءة استعمالها، بحيث يكون رئيس الجمهورية حكماً ورئيس الحكومة مسؤولاً ورئيس مجلس النواب محاسباً؟
هنا يكمن بيت القصيد في إعادة طرح قضية صلاحيات نائب رئيس الحكومة، التي يراد منها ليس تعزيز صلاحيات وحضور طائفة الروم الأرثوذكس في تركيبة السلطة اللبنانية وصيغتها، وإنما إضعاف موقع رئاسة الحكومة بين موقعي رئاستي الجمهورية ومجلس النواب ليسهل بعد ذلك الانقضاض على رئاسة الحكومة من حيث إعادتها إلى زمن ما قبل الطائف, وبذلك تتحقق الغاية الأبعد التي تقول باستعادة دور وموقع رئاسة الجمهورية المسيحية المارونية في التركيبة اللبنانية.
ويبدو أن هذا الهدف ليس من ستراتيجيات النائب ميشال عون فقط، وإنما أيضاً من أبرز أهداف المجموعة الشيعية التي يمثلها "حزب الله" ورئيس مجلس النواب نبيه بري, والتي تريد الالتفاف على مطلبها الحقيقي بتغيير صيغة التوازنات, التي جاءت في اتفاق الطائف على قاعدة صياغة حكم ثلاثي بين الطوائف الثلاث: السنة والشيعة والمسيحيين.
وهذا المطلب الذي أصبح مزمناً عند الفريق الشيعي بدا أنه يحظى بدعم من إيران عبر سورية، التي تبين أن هذه الصيغة تناسبها أكثر من أي وقت مضى بعد أن ابتعدت عنها الكتلة السنية في لبنان وأصبحت في موقع الخصم معها, في حين أنها كسبت الكتلة الشيعية بالكامل والقسم الأكبر من الكتلة المسيحية.
وبحسب بعض المعلومات التي تسربت فإن اجتماعاً عقد نهاية الأسبوع الماضي بين عون ومسؤولين من "حزب الله" و"حركة أمل"، بمشاركة الوزير السابق سليمان فرنجية المقرب من الرئيس السوري بشار الأسد، جرى خلاله البحث في خطة من ثلاث نقاط سيبدأ تطبيقها تباعاً:
– الأولى تنص على أن يتولى العماد عون الهجوم على خلفية طرح صلاحيات نائب رئيس الحكومة الأرثوذكسي التي لا ينص الدستور على وجودها أصلاً ولا على وجود هذا المنصب، وهذا يفترض أن يؤدي إلى إرباك "تيار المستقبل" لأنه سيضطر إلى الدفاع عن نفسه في بيته, فيضطر أيضاً لتقديم تنازلات في ملفات أخرى مطلوبة من بينها وأبرزها التراجع عن الاعتراض على الاسم المطروح لتعيينه قائداً للجيش اللبناني خلفاً لرئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان.
– خلق إرباكات حكومية حول كل العناوين التي يمكن أن تطرح, ومن بينها عدم ذهاب وزير الطاقة ألان طابوريان مع رئيس الحكومة فؤاد السنيورة في عداد الوفد خلال زيارته إلى العراق, من أجل تصوير رئيس الحكومة على أنه غير قادر على إدارة حكومته، فضلاً عن خلق جدل في الشارع السني حول أهداف هذه الزيارة، وارتباطها بتطبيع العلاقات مع دولة العراق تحت الاحتلال الأميركي.
– افتعال مشكلات اجتماعية وحياتية في مواجهة الحكومة ورئيسها كي يؤدي ذلك إلى إرباك فريق رئيس الحكومة، ومن ضمنها محاولات تعظيم مشكلات الكهرباء الموجودة منذ سنوات والتي لم يطرأ عليها أي جديد في لبنان.
ويبدو ان الخطة تسير بعناية وهي مستمرة في ظل حماية واضحة من "حزب الله" الذي اكتفى حتى الآن بالتفرج على السجال حول صلاحيات نائب الرئيس التي أثارها عون، بل وحضر له استقبالاً شعبياً حاشداً كزعيم كبير في مناطق الجنوب التي سيزورها اليوم.
وبالتوازي كان الحزب يحاول اختراق الساحة السنية بمحاولة التفافية تهدف إلى مزيد من الإرباكات خلف خطوط رئيس الحكومة وأرضيته وقاعدة "تيار المستقبل".
وبحسب المعلومات، فإن اجتماعاً ثانياً سيعقد مطلع الأسبوع من أجل دراسة الخطوات التالية في الستراتيجية المشتركة للفريق الشيعي والعماد عون وفرنجية، وإن سورية ليست بعيدة عن هذه الاجتماعات مباشرة أو بالواسطة عبر فرنجية، خصوصاً أنها تهيئ إعادة خلط الأوراق اللبنانية والانتقام من الفريق الذي خاصمها في السنوات الثلاث الماضية، وهي تدرك أنها لا تستطيع العودة إلى السلطة في لبنان إلا من خلال تعزيز تحالف عون والفريق الشيعي وإضعاف قوى "14 آذار" الذي يتصدى لمحاولاتها المحمومة.
