#adsense

شرط أن تكون سائحاً

حجم الخط

شرط أن تكون سائحاً

غمرتني بهجة لم تزرني منذ أعوام. مطعم على تلة. ليل مفتوح من الجبل الى شفير البحر. وتلك البقعة المضاءة البعيدة اسمها بيروت. وكان المكان مكتظاً بالسياح العرب. وعيونهم تفضح سرورهم. كأنهم كانوا يخشون أن يسرق الصيف اللبناني منهم. أن يمنعوا من معانقة واحة عربية عريقة الى درجة انتفاء الحاجة أو المبرر لامتحان عروبتها وتمنينها بشهادات.

بدا لبنان لي ساحراً فعلاً. ولا علاقة للأمر بفخر الدين المعني. ولا بجبران خليل جبران وأمين الريحاني. ولا بالجسر بين الشرق والغرب. ولا بإبحار الحرف من جبيل. ولا بقلعة بعلبك. ولا برواد النهضة. ولا بأوائل المهاجرين الذين ركبوا البحر وحملوا الكشة وشيدوا امبراطوريات وغابوا وهم ينشدون المواويل العتيقة.

لا بد من الاعتراف. كانت اهتماماتي أقل بكثير. وطموحاتي أضيق. وانشغالاتي أصغر. فأنا مواطن عادي. لم ينتدبني التاريخ لمهمة إنقاذ. ولم يكلفني أحد بزرع المشاعل على المنعطفات الخطرة. ولم يُعينِّي أحد حارساً للبوصلة. ثم ان التجارب علمتني أن أخاف. من الذين يدّعون الحصول على تكليف من الطائفة أو الوطن أو التاريخ أو الأمة. من الذين يصادرون أصوات الناس ويزعمون أنهم مجرد شموع. من الأوطان التي تحتاج دائماً الى الدم والشهداء، كما السمك الى الماء.

وقلت في نفسي يحق لمواطن عادي أن يمضي ليلة هانئة. على رغم تهور جورجيا وشراهة روسيا. وانكفاء الهيبة الأميركية وانفلات الذئاب في غابات الأقاليم. وعلى رغم "حكومة الانتقام الوطني". وافتقار نائب رئيس الحكومة الى سقف ومكتب. والى صلاحيات تسهل المهمات الكيدية التي يستلزمها ترسيخ التوافق والمشاركة. وعلى رغم اتفاق الدوحة الذي طبخ بالصلصة الحارة. وعلى رغم أهوال مناقشات البيان الوزاري. والدموع الغزيرة التي ذرفها المواطنون حزناً على انقضاء زمن القامات. زمن صائب سلام وكمال جنبلاط وريمون إده وبهيج تقي الدين ونصري المعلوف. وعلى رغم مشروع قانون الانتخابات. وحقوق المناطق والطوائف والمذاهب والأزقة. وحديث الهيمنة والغلبة والثأر والتهميش. وعلى رغم الانشغال بملف المفقودين في بلد مفقود يبدو العثور عليه متعذراً.

فرحت بالعثور على مكان في مطعم على تلة. وابتهجت كيف نجت هذه التلة من حيتان الكسارات الذين يطحنون الجبال. وكيف نجت الأشجار القريبة من عطايا أولئك الذين يكرهون الخضرة ويحبون الأحراج متفحمة تناشد طائرات الإطفاء المحلية والقبرصية. وابتهجت لأن الطرقات مفتوحة ولأن الاتحاد العمالي العام لم ينفذ تهديداته بالتصعيد. يعجبني الاتحاد العمالي العام. تأسرني براءته ورائحة الدواليب المنبعثة من بياناته.

المطلوب ليلة هانئة. دعك من بعل محسن وباب التبانة. وخطوط التماس في مجلس الوزراء. وفضيحة التعيينات. أعوذ بالله. أدرجت أسماء كبار الضباط في بورصة الترشيحات. تخضع أسماؤهم لفحوصات غريبة. قراءة للأسماء والميول والصداقات والعداوات. هذا معيب. يستحيل أن يكون جيشاً من يتم اختيار قائده بهذه الطريقة. يستحيل أن تكون له هيبة. إن لبنان مكشوف فعلاً وأكثر مما اعتقدنا وتوقعنا. ان الوضع أكثر سوءاً مما يروج له عتاة المتشائمين.

حدود الوطن هذه الليلة حدود الطاولة. الانسجام في جاط الخضرة حقيقي ولا علاقة له بالانسجام الحكومي. الخسة تختال وقربها الخيار وهو أفضل من الخيارات الوطنية. الجزر رهيف القوام. القثاء بلدي ومن الحقل القريب. النعناع يتكئ سعيداً على الجرجير. والبندورة الجبلية العصية ستئن بعد قليل مذبوحة تحت الثوم والسماق والزيت.

بلد لذيذ. التبولة تجربة تعايش بين البقدونس والبرغل والبندورة والبصل والزيت. وترتيب التعايش مهمة الحكماء. الإخلال بالمقادير يفسد التجربة. التفرد يسممها. الثلث زائداً واحداً يلغي طعمها. تكون التبولة بمقاديرها أو لا تكون. والكبة كالسلطة يمكن التهامها نيئة أو بعد شيها على نار المعارضة. لذة الطاولة اللبنانية في تنوعها: الحمص، الشنكليش، الجبنة البلدية، الرقاقات، النقانق والبسترما من دون نسيان الباذنجان وأنواع الكبيس. إرغام الطاولة على ارتداء الزي الموحد يسيء الى الصحة الوطنية والقومية.

الحسد شعور معيب. لكن على المرء أن يعترف أحياناً. حسدت السياح العرب الموزعين على الطاولة المجاورة. لا تذكرهم التبولة بمقادير التعايش. ولا تعدد الصحون بتعدد الطوائف والمذاهب. ولا تعيدهم ألوان الخضر والفواكه الى 8 آذار (مارس) أو 14 منه. غداً يأفل الصيف ويغادرون. يتركون اللبنانيين وحدهم مع "حكومة الانتقام الوطني" ورائحة الاضطرابات والانتخابات. التفكك اللبناني في ذروته. والأبواب مشرعة للمغامرات والمغامرين، للانتحارات والمنتحرين. هذا بلد لذيذ، شرط أن تكون… سائحاً.

المصدر:
الحياة

خبر عاجل