#adsense

الإصلاح… كذبة بيضاء

حجم الخط

الإصلاح… كذبة بيضاء!

ما دام ادراج التقسيمات الانتخابية في جدول اعمال الجلسة الاشتراعية لمجلس النواب غداً حمل الى الخطاب السياسي نسائم اصلاحية من باب الاعتراض على تقسيط مشروع قانون الانتخاب وتجزئة اقراره على مرحلتين، فان هذه المناسبة تبدو ملائمة "لفحص دم" من نوع آخر للقوى النيابية الحالية وفق المعيار الاصلاحي نفسه.

بطبيعة الحال، وايا كانت المبررات واقعية للعودة الى تقسيمات قانون 1960 فانها شكلت علامة تخلف رجعية شاملة واجماعية لقوى الغالبية والمعارضة في المنحى الاصلاحي اذ اظهرت الطبقة السياسية برمتها متهالكة امام تسوية انتهازية ولو اعتمدت غداً صيغة موقتة لتمرير هذه التقسيمات "لمرة واحدة".

والأسوأ من استحضار صيغة قانون 1960 لسنة 2009 هو ان احدا لا يصدق "الكذبة البيضاء" السائدة التي تزعم ان اقرار بعض اصلاحات لجنة فؤاد بطرس من شأنه ان يوازن او يعوض "التصحر" الاصلاحي الشامل. فلا الظروف التي يصنعها الصراع السياسي الحاد ستتيح متنفسا اصلاحيا للعمليات الانتخابية، ولا القوى السياسية نفسها تتحلى بباع مشهود في الاصلاح بما يحمل على تصديق هذه الكذبة. والافضل بهذا المعنى للقوى الحريصة على مكاشفة الرأي العام بالحقائق كما هي من دون تجميل، الابتعاد عن المخادعة وايهام الناس بان "انتخابات اصلاحية" قد تكون ممكنة في حين يدرك الجميع ان عنوان "الحسم" المرفوع للانتخابات يعني اباحة واستباحة كل الوسائل المشروعة وغير المشروعة فيها بلا هوادة.

ولعل الاخطر من الصفة القتالية والحربية والميدانية وحتى الميليشياوية التي تعطى لعملية تشكل ذروة الرمزية الديموقراطية والسلمية، هو ايهام الناس بان التحضيرات لـ"الحسم" الموعود تجري على قاعدة "تغيير اصلاحي" بمعنى ان قوى الغالبية "الحاكمة" امعنت في انتهاك الاصلاح وان قوى المعارضة تتهيأ لعصر اصلاحي "ساحق".

فلو كانت الديموقراطية في لبنان لا تزال تتحلى بالقليل مما كانت عليه في عهود غابرة، لوجب على المعارضة في الدرجة الاولى ان تحاسب نفسها بنفسها على منطق "الحسم" الذي يجري الترويج له كأنه امتداد عضوي وموصول بواقعة حسم مسلح والكفّ عن انتهاك المفهوم الديموقراطي بهذا الخطاب القتالي.

ثم ان محاسبة الغالبية وايجاد البديل الصالح منها يفترضان بأقل الايمان ان تكون المعارضة نفسها هي القوة التي ترفع لواء التغيير الديموقراطي على قاعدة برنامج اصلاحي شامل، لا ان يكون تراث المعارضة مجموعة تراكمات من التعطيل وصولا الى تقاسم قسري للسلطة مع الغالبية ومن ثم المضي نحو اكمال "انقلاب" على المفاهيم الدستورية تحت لواء "التغيير". لقد حالت المعارضة بطريقة دورية عبر مجلس النواب من خلال تعطيل وظيفته وعمله ودوره الطبيعي في مراقبة الحكومة وضبط ايقاعها. ولو كانت المعارضة اصلاحية لتمكنت من تحويل منحى الصراع في لبنان وتصويبه وحتى ربما تحقيق مكاسب حقيقية لنفسها وللبنان ولنظامه الديموقراطي الدستوري من دون اي لجوء الى اي تعطيل ومن ثم الى اي احتكام الى السلاح.

ثمة الكثير من نقاط الضعف لدى الغالبية في المنحى الاصلاحي وقصورها عنه في السنوات الثلاث التي مرت من عمر هذا المجلس. لكن نمط المعارضة التعطيلي اضاف الى الظروف الدموية التي عصفت بالبلاد وفي مقدمها حرب الاغتيالات عامل تخفيف وتبرير لمسؤولية الغالبية عن الاضطلاع بالسياسات الاصلاحية التي كان يفترض بها اتباعها اسوة ببرنامجها المعلن في المسألة السيادية التي تدين لها بتكوينها. ولذلك فان المنحى الدعائي الذي تتبعه المعارضة لا يسقط الحقائق التي لم يجف حبرها بعد. فيمكن المعارضة ان تقول اي شيء في قرع طبول السعي الى الامساك بالسلطة، ان هي استطاعت الوصول اليها عبر الانتخابات. لكن امرا واحدا ستعجز عنه وهو الاثبات بانها البديل الديموقراطي والاصلاحي من خصمها الاكثري.

المصدر:
النهار

خبر عاجل