الحاجة إلى ديبلوماسية تستبق "حرب تموز" أبعد آفاقاً وأكثر أخطاراً
لو لم يسقط خبر الصواريخ الروسية لسوريا لكان السؤال الذي يفرض نفسه هو: هل كانت هذه الصواريخ قابلة للاستعمال ضد الطائرات التي تهدد اسرائيل باستخدامها لتهديم البنى التحتية في لبنان (الذي تربطه بسوريا اتفاقات دفاع مشترك) وباقي معالم العمار اذا تحرك "حزب الله" في اتجاه حرب أخرى؟…
الواقع الواجب تأكيده بادئ ذي بدء هو ان التهديدات الاسرائيلية لا يبدو ان القصد منها ردع "حزب الله" عن خوض حرب تموز 2006 اخرى بل استدراج "حزب الله" الى حرب تتجاوز "حرب تموز"، فترد اسرائيل هذه المرة بما يحقق هدفها البعيد، وهو تهديم لبنان و"تحريض" اهله على "حزب الله" حتى يتفتت الوطن وتنهار الدولة، فتتقاسم اسرائيل أشلاء الوطن والدولة ارضاً وشعباً وموارد وخيرات مع بعض اعدائها كإيران وسواها (سوريا طبعاً) التي تظهر جلياً آنذاك أبعاد تحالفها الموضوعي مع اسرائيل الهادف الى الغاء النموذج التعددي اللبناني وضرب المقاومة العربية المتحصنة في لبنان حيث تنبت تدريجاً التطرف الديني والارهاب الذي ينشأ منه.
• • •
على هذه الخلفية، والدور الروسي فيها، بصواريخ او من دونها، يجب ان تسلط الاضواء على زيارة الرئيس ساركوزي لدمشق وقد سبقها "تنبيه" الى موسكو مما يحدث بينها وبين جورجيا (حيث ظهرت كذلك قنوات اتصال اسرائيلية – غير متوقعة بل مستغربة) مع الفريقين!!!.
والذي نرجوه ونأمله هو ان يتمكن لبنان، بواسطة فرنسا او مباشرة من معرفة أي بشار هو الذي سنتعامل معه في اطار "العلاقات المميزة" التي تقرر استئنافها والتي يجب استعجالها بعيداً من "الروتين" البيروقراطي السنيوري: هل هو بشار "حرب باردة" جديدة تنطلق الآن فاترة بين موسكو والغرب، وسوريا تراوح بينهما؟ أم هو بشار لا يهمه من كل ذلك سوى تحصين موقعه في المحكمة الدولية المقبلة عليه خلال فترة تزداد قرباً؟ أم هو أخيراً بشار النظام الذي هزّ لبنان بالاغتيالات والتفجيرات كي يعود يتسلّط عليه او يقتطع منه حصته بعد انفراط عقده وثبوت عدم جدوى استمرار المحاولات الحوارية والدستورية الهادفة الى اعادة تكوين لبنانٍ جديد بميثاقٍ وطني متطوّر.
• • •
معقّدة هي الأمور التي تواجه العهد اللبناني الجديد وحكومته التي فشلت في المحافظة على ما ادَّعته لنفسها من انها حكومة الارادة الوطنية الموحدة… فلم تستطع حتى تعيين قائد للجيش تتفق عليه، فكيف تتفق على الستراتيجية الوطنية للدفاع عن لبنان ومقاومة الأخطار التي تهدده أو الآتية من كل جهة المنتظرة وغير المنتظرة ولا… المنظورة؟
الحاجة ماسة اذاً، بادئ ذي بدء، الى اعطاء مؤشرات صمود ووحدة حتى تتمكن الحكومة والعهد معها لا من اطلاق الحوار مع سوريا فحسب بل التهيؤ لأخذ المواقف التي تضمن بقاء لبنان واسترجاع اراضيه في وجه مفاوضات سلام بين اسرائيل واكثر من طرف عربي، ومن أي طريق يدخل لبنان هذه المفاوضات.
الذي نقترحه، عملياً، هو مرة أخرى ان يضع لبنان نفسه في موقف "المبادر"، فيبادر الى الانتقال بالتهديدات الاسرائيلية الى مجلس الأمن الذي سينعقد للتجديد للقوة الدولية هذا الاسبوع.
يشكو اسرائيل طالباً منها الكف عن تهديداتها التي قد تكون نتيجتها الاولى تحريض "حزب الله" واستدراجه الى الحرب التي لا مصلحة لاسرائيل في تكرارها وخسارتها تكراراً، ولا مصلحة لـ"حزب الله" في خوضها عشية انتخابات يتهيأ للدخول فيها مع حلفاء ليسوا ولن يكونوا حلفاءه في حرب ضد اسرائيل.
والنتيجة الوحيدة الأكيدة من مثل هذه الحرب هي انسياق هذا الفريق أو ذاك الى العدوان على القوة الدولية مما يهدد استمرار دورها بدل ان يعززه وعلى نحو قد يشجّع "الدول المساهمة" على استعجال خروجها من القوة حفاظاً على سلامة عسكرها. وهذا ما يضعف بل قد يؤدي الى الغاء المظلة السياسية والحقوقية للقوة.
وقد تجد ديبلوماسية لبنانية راشدة ومتحركة ان الفرصة مؤاتية لنيل امور ثلاثة من مجلس الأمن:
أولاً احراج اسرائيل واضعاف موقعها في مفاوضات السلام التي تقوم بها أو تتجاوب معها في وساطات تجري خارج اطار الأمم المتحدة.
ثانياً: احراج سوريا واضطرارها الى اختيار موقع دولي ليس الموقع الذي تتقدم منه في الظهور مظهر "القوة الاقليمية" التي لا قدرة لها على ممارستها ولا على تحمّل مسؤولياتها.
ثالثاً: تعزيز دور القوة الدولية وقدراتها فتصبح ربما هي محور "خريطة طريق" مستحدثة الى السلام. وذلك يكون باقتراح لبنان روزنامة لعمل القوة خلال فترة تمديدها، يقوم خلالها لبنان باعمال محددة يتعهّد اتمامها.
… كل ذلك ممكن بديبلوماسية تستعيد للبنان، اضافة الى الايمان بالذات والثقة بالنفس، صوته المرتفع عالياً فضلاً عن صداقات ومعالم تأييد تكاد تميل الى "التردد"… وما أدرانا ما بعد هذا التردد!!!