"حزب الله" بين التفاهمين
ما إن شاع خبر تشكيل لجنة بين "حزب الله" و"التيار الوطني الحر" في آواخر العام 2005 حتى انبرى إعلام المعارضة التي كانت بدأت بالتشكل آنذاك وفي مقدمها إعلام "حزب الله"، لتصوير المشاورات الجارية بين الطرفين بالعميقة والشاملة والوافية وأنها تعالج كل المواضيع العالقة بين الفريقين وبين اللبنانيين بشكل عام. وجاء تفاهم 6 شباط الذي نسجه عضو المجلس السياسي للحزب غالب أبو زينب كما أراد، ورقة عامة جالت على العناوين الخلافية فلامستها في القشور دون التطرق إلى اي حل حقيقي واقعي، بل لم يكن ذاك التفاهم سوى غطاء لتحالف أراده الحزب مع رافعة مسيحية له، وكان له ذلك بتواطؤ من الجنرال البرتقالي.
وبعد أحداث أيار وما حصل فيها من تعديات وتجاوزات وارتكابات في أحياء بيروت وقرى الجبل ومناطق الشمال، وجد "حزب الله" نفسه مرة جديدة بحاجة إلى غطاء آخر لتحالف مع رافعة سنية هذه المرة، فكلّف عضو مجلسه السياسي الشيخ عبد المجيد عمار بنسج تفاهم جديد مع مجموعات سلفية لتأمين ورقة توت أخرى للحزب، بعدما كثرت في جسده الوطني عورات تصرفاته ونهجه.
قد يقول البعض إن التفاهم مع المجموعات السلفية خطوة مهمة انطلاقاً من أفضلية التفاهم بين مختلف الفرقاء اللبنانيين على الخلاف، لكن واقع ما قام به الحزب حتى الآن يثبت أنه لا يفتش عن أي تفاهم حقيقي مع أي طرف لبناني ـ رغم محاولته إيهام الرأي العام بذلك ـ بل إن ما يسعى إليه هو حلقة داخلية تلتف حوله في مواجهة أي فريق لبناني آخر، فيما ينأى هو بنفسه عن هذه المواجهات الداخلية استعداداً لـ"المواجهة الكبرى"، وفي حال اضطره الأمر أحياناً إلى التدخل، فلا مانع لديه من تكرار "الحفلة التأديبية" التي شنّها في أيار، كما بشرنا بذلك بعض من مسؤوليه وأزلامه "الموهوبين".
غني عن القول أن نهج "حزب الله" لم يعد خافياً على أحد، وأنه يتصرف وفقاً لما تمليه عليه مصالح طهران تليها مصالح دمشق، وبما أن تفاهم 6 شباط أعقبه طاولة حوار ثم حرب تموز 2006، فإن بعض المتشائمين يتخوف من أن يتكرر السيناريو نفسه، فيكون بذلك تفاهم 18 آب مدخلاً لتسلسل الأحداث نفسها، أي طاولة الحوار الوطني المنوي عقدها برعاية رئيس الجمهورية، ثم حرب "تموزية" ثانية.
لقد تمكن "حزب الله" من شق الصف السياسي المسيحي الذي كان ـ وفق المثل اللبناني الشائع ـ "لا تهزّه واقف على شوار"، بفعل التماهي المطلق من جنرال الرابية مع مصالح "حزب الله" بل ومزايدته في كثير منها، وها هو ـ أي "حزب الله" ـ يحاول اليوم شق الصف السني بعد تنامي الشعور بالجرح لدى الطائفة السنية بمجمل تلاوينها عقب أحداث 7 أيار. لكن ما لم يكن يتوقعه الحزب أن يأتي الهجوم على تفاهمه الجديد من قبل التيار السلفي وتحديداً من قبل مؤسسه الشيخ داعي الإسلام الشهال.
"حزب الله" بـ"تفاهميه" ونهجه أصبح أقل قدرة على فتح آفاق التفاهم الوطني العام حول سلاحه، ولكي يخرج من قوقعة تفاهماته الثنائية عليه أن يسعى إلى تغيير هذا النهج، وخصوصاً على طاولة الحوار المرتقبة، علّه يتمكن بذلك من غسل صفحة سوداء في تاريخ لبنان خطها هو بنفسه في 7 ايار 2008، وأن يدرك أن الوحدة الوطنية والتفاهم اللبناني الواسع وحدهما يحميان سلاح المقاومة لا أوراق التفاهمات الثنائية.