جنرال على جبهة
الجولة التي نظمها حزب الله للجنرال ميشال عون الى الجنوب امس، تنطوي على مكافأة لقائد التيار الوطني الحر على مواقفه الداعمة لحزب الله، اولا وعلى رسالة قوية الى الذين ساهموا في تجميد وثيقة التفاهم بين حزب الله وجماعات سلفية قبل ايام.
لقد كان للحفاوة التي لاقاها بها العماد عون في قانا وبنت جبيل، والخطب التي لاقاها من قبل حزب الله والامكنة التي زارها، احدى مظاهر تهيئة الرأي العام اللبناني الى ان لبنان ينتقل الى مرحلة جديدة عنوانها تحوله الى جبهة مواجهة حقيقية ورئيسة مع اسرائيل، على اعتاب الحديث عن استراتيجية دفاعية، وفي اجواﺀ التهديدات الاسرائيلية الاخيرة للبنان، التي رد الامين العام لحزب الله السيد حسن نصرالله عليها امس بتدمير اسرائيل في اي حرب يمكن ان تباشرها على لبنان.
وثمة اعتقاد راج امس في اوساط سياسية متنوعة، مفاده ان برنامج زيارة الجنرال الى الجنوب لم يكن ليتم على هذا الايقاع الشيعي، لو كان التفاهم مع السلفيين مستمر، فحزب الله الذي لم يوفق الى تثبيت هذا التفاهم وحمايته مع فريق سني، تلقى بذلك رسالة سلبية، انه لا يحظى بتأييد من قبل فئات سنية معتبرة الى جانب تيار المستقبل، وربما اراد امس ان يقول "لمن له اذنان سامعتان"، ان جزﺀا لبنانيا آخر وفاعلا يؤيد حزب الله وسلاحه واستراتيجيته في الداخل والخارج، وبالتالي هو لن يشعر انه في عراﺀ في ظل مظلة الجنرال.
على ان حالة المراوحة التي فرضها ولا يزال يفرضها في المنطقة ولبنان الانهماك الاميركي بالانتخابات الرئاسية، فذلك لا يقلل من شأن المكاسب بالنقاط التي يحققها المحور الايراني- السوري في المنطقة، ولعل ابرز ما يجري ترسيخه في المعادلة اللبنانية هو ان لبنان صار عضوا غير معلن في المنظومة الاستراتيجية السورية – الايرانية، وهذا ما تم بحكم الامر الواقع، ولعل التهديد الاسرائيلي سواﺀ من رئيس الحكومة او وزير الدفاع، بان اي حرب مقبلة على لبنان سوف لن تكون الحكومة اللبنانية بمنأى عنه، وان كل لبنان سيكون تحت التهديد، وهو موقف جاﺀ في اعقاب اقرار البيان الوزاري الاخير والذي اكد على دور المقاومة ووجودها.
وفي هذا المناخ يأتي الحديث عن مقاربتين للاستراتيجية الدفاعية، الاولى، يتبناها حزب الله وحلفاؤه، تقوم على اساس ان لبنان دولة مواجهة مع اسرائيل وحزب الله ومقاومته العنصر الحاسم والحاكم في هذه الاستراتيجية.
اما الثانية، والتي تتبناها "قوى 14 آذار" تقوم على اساس تولي الجيش اللبناني ادارة عملية الدفاع عن لبنان، وهذه الرؤية ليس لها حظوظ ان تتكرس على ارض الواقع في ظل الوقائع الميدانية وموازين القوى على الارض.
تبدو المنطقة امام ملامح حرب باردة ظهرت مع الموقف الاميركي من روسيا الذي يريد الانتقال من مرحلة استيعاب دول حلف وارسو ودول الاتحاد السوفياتي السابق الى الاطباق على الحدود الروسية.
وهذا ما دفع الرئيس السوري بشار الاسد لالتقاط هذه اللحظة عبر اعلانه عن استعداد سورية لأن تكون قاعدة صواريخ روسية ردا على الدرع الصاروخي الاميركي في بولندا. وفي معزل عن حجم التجاوب الروسي مع هذا الموقف السوري الجريﺀ الذي لم يصل الموقف الايراني الى حدوده، فان روسيا سوف تتعامل بجدية اكبر من السابق مع التمدد الاميركي على حدودها او في الشرق الاوسط، وبالتالي يمكن ان نرصد ارتياحا ايرانيا وسوريا ازاﺀ هذا التنازع الدولي في القوقاز.
الحرب التي يستعد لها الجميع يستبعد خبراﺀ استراتيجيون حصولها مجددا على ارض لبنان، لكن ثمة تطويع مستمر للمشهد اللبناني في اتجاه تحويله الى جبهة مواجهة حقيقية يحسب لها حساب في اي تخطيط لحرب اسرائيلية في المنطقة. وزيارة الجنرال عون الجنوبية ليست انتخابية فحسب، بل هي في خانة الترويج لرؤية المقاومة الدفاعية، قبل فرضها فحسب او تبنيها على طاولة الحوار المنتظر! …