
لماذا أصبح معيبا" أن تكون عونيا"؟
(الحلقة الرابعة)
في الفترة التي اتخذت فيها قراري بإخراج نفسي من الحالة العونية في مرحلة بدأت أشعر فيها وكأنني داخل قفص، وهذا هو السجن العوني الذي وُضِعنا فيه من خلال إطار مرسوم تمّ بناؤه على خلفية إستعداء الآخرين، وعلى خلفية أنّ لا بديل على المستوى المسيحي، ومَنْ جرّ المسيحيين الى هذا الإطار التسويق الاعلامي والمبرمج بشكل دعائي، كان يخطط لما وصل اليه المسيحيون اليوم، لدرجة أنّ الحالة العونية اليوم هي مجرد عبادة للشخص من دون أي كتاب يُقرأ على صعيد المبادىء والأسس والعقيدة، خاصة بعد إلغاء كتاب "الطريق الآخر" الذي تمّ توزيعه إبّان الانتخابات النيابية عام 2005، والذي سُحِب من التداول بشكل كامل، كون هذا البرنامج السياسي بات يناقض تماماً مواقف عون وتياره اليوم، حيث إنقلب على كل المفاهيم والمبادىء التي على أساسها إنطلقت الحركة العونية اذا صحّ التعبير، فمن كان ليصدّق أن ميشال عون قائد الجيش السابق وصاحب الحروب لإلغاء الميليشيات، ومُطلق شعار وطن دولة لا دويلات.. وصاحب المواقف المصنّفة حزب الله بالارهاب، وعون نفسه الذي قال للبنانيين عشية إقرار قانون محاسبة سوريا: حتى لو إنسحبت فإنها ستترك وراءها ميليشيات مثل حزب الله … ولن تكفينا مجلدات لإستذكار مواقف عون المغايرة تماماً لمواقفه الحالية..
وهنا تبدّى لنا السؤال الكبير: هل أصبح تيار عون قطيع يُساق كما النعاج، دون جدل أو حوار أو نقاش أو حتى مجرد حركة إعتراضية على إنقلاب عون على ذاته والمبادىء التي أعلنها، وهي كانت السبب لتحويل نفسه الى زعيم مسيحي، المشكلة لم تعد في شخص ميشال عون، بل أصبحت في الوضع النفسي والسيكولوجي لأتباعه الذين ما عاد بإمكانهم سماع صوت المنطق والعقل، واذا تمادى أحدهم في سماع الصوت الآخر تراه هرول هرباً كونه إقترب من سماع صوت الحق، وما عاد هؤلاء باستطاعتهم سماع إلاّ صوت واحد ولون واحد، وهذا ما أسميته الإطار العوني، أو دعنا نطلق عليه إصطلاحاً القفص العوني..
ومن الأمثلة الحسية على ما نقول، أحد العونيين وبعد سلسلة من الحوارات أعلن عن أحقية مواقفنا وصوابية النهج في 14 آذار، إلاّ أنه قال حرفياً: ولكن جاري من القوات اللبنانية بلْكي شمت فييّ…
هذا هو لبّ المشكلة مع كثيرين، حيث وضَعهم ميشال عون في لعبة نفسية ضيقة، لدرجة أنّ المعترض منهم والمتذمّر مما يجري ويدور يجعلونه يشعر وكأنه بمثابة الخائن للقضية، ولكن عن أية قضية يتكلمون؟ فحتى شهادة بشير الجميّل أصبحوا يشككون بها، وهم يستكملون مخطط ضرب القضية اللبنانية، وضرب هذه القضية يعني إقصاء وإلغاء وتشويه قادة المقاومة اللبنانية وتالياً القضاء على روحية الوجود المسيحي الحرّ..
هم اليوم حلفاء قتَلة بشير، وهم اليوم حلفاء البعث والقومي.. فهل هذه هي العونية التي عرفناها؟ ولا يقرأ العونيين ما حلّ بزعيمهم من إنقلاب على كلّ التاريخ وعلى كل الشهداء وعلى كل الشعارات.. في كلّ الأحوال تبقى مسألتين محوريتين يجب كشفهما بواقعية وموضوعية ألا وهما مسألة عون والأموال.. ومسألة عون والدم المسيحي…
التلّطي دائماً بأنها أموال تبرّعات
المراقب ولو عن بُعد لحركية العونيين، وتحديداً لحركية زعيمهم النائب ميشال عون، يكتشف سريعاً الثراء الفاضح في صيرورة هذا التيار، الذي كنّا في زمن الاحتلال نجمع من بعضنا البعض مصروف جيبنا ونفقات تنقلنا من البيت الى الجامعة لشراء بعض حاجيات وضرورات المقاومة من طباعة مناشير أو صوَر أو ثمن مواد البويا، عندما حوّلنا جدران العاصمة والمناطق الى صفحات جرائد في وقت كانت بعض الصحف لا تجرؤ على نشر مواقفنا المناهضة للإحتلال السوري وعملائه، كنّا في خضّم المعركة، وفي قلب المقاومة، ولم نتوقف يوماً عند من دفع أكثر من الآخر، المهم أن نستمر وننشر ثقافة القضية التي آمنّا بها..
اليوم بدأت معالم المال بالبروز، وبدأت معها الفضائح بالإنكشاف شيئاً فشيئاً، حتّى فاحت روائح الإثراء الفاحش عبر ظهور وسائل الصرف بشكل غير منظور.
وللبحث بهذا الموضوع لا بدّ من العودة الى الوراء، وتحديداً الى مرحلة توّلي عون لقيادة الجيش، وهنا نستذكر معاً أن مبلغ وقدره /500000د.أ/ (خمسماية الف دولار أميركي) كهبة وتبرعات كان يقدّمها رجل الأعمال اللبناني رفيق الحريري الى قيادة الجيش، ولن أسأل عن مصير الأموال، ولن أوّجه أي إتهام، ولكن للتنوير، وليعلم هذا الجيل بعض خفايا وأسرار، وليستذكروا الحملات الشنيعة التي شنّها ميشال عون على الرئيس الحريري، وكيْل الاتهامات التي ساقها ضدّه، ولم نكن نعلم سبب تهجمات عون على الحريري، إلاّ بعد أن تكّشفت لنا الحقائق، لنعلم لاحقاً أنّ الحملة كانت صياغة سورية بشكل موّجه ومبرمج ومدروس، ولعلّ تلاقي عون واميل لحود كان ثنائياً بإمتياز في توجيه الحرب التدميرية ضدّ الحريري.
المهم في الموضوع أنّ ميشال عون الذي أجلس نفسه على عرش الطهارة والنزاهة المالية، تبيّن أنّه لم يكن سوى عرش كرتوني ملحمي مسرحي ليس إلاّ.. وما زاد الطين بلّة أن كلّ فلس آل الى القضية اللبنانية، قضية التحرير، تحرير لبنان من الاحتلال السوري، وقضية توحيد البندقية إنطلاقاً من شعار لا سلاح خارج الجيش اللبناني، وقضية محاربة الفساد والفاسدين… حيث أنّ كلّ الأموال التي تبرّع بها الصغار والكبار، الأرامل واليتامى، العسكريين والمدنيين، الفقراء والأغنياء، والتي بلغت قيمتها بملايين ملايين الدولارات تمّ تسييلها بالعملة الصعبة بحيث وُضعت بداية في المصارف اللبنانية عبر حساب مصرفي مشترك بين ميشال عون وزوجته ناديا الشامي، قبل أن يُصار الى تحويلها شيئاً فشيئاً الى المصارف الأجنبية وتحديداً منها الفرنسية، وقد قدّم وكلاء الدفاع عن ورثة الرئيس الراحل الياس الهراوي أكثر من أربعين مستند كناية عن تحويلات مالية بملايين الدولارات بإسم عون وزوجته، الأمر الذي أثارته الصحيفة الفرنسية "لو كانار أنشيني"، والذي دفع بميشال عون لمقاضاة الصحيفة، إلاّ أنه لا يجرؤ على مكاشفة الناس ليعلن لهم مصير شكواه الصُـوَرية تلك، والتي أراد منها مجرد تلميع صورته تجاه ناسه.
وفي تسلسل منطقي لمجريات الأمور وتحديداً منها المالية، ولمزيد من إذكاء روح الموضوعية والجدّية على ما نقول، تعالوا نُقنِع أنفسنا ببعض النظريات الدفاعية عن عون في هذا المجال، علّنا نوّفَق بإيجاد أسباب تخفيفية لما أقدَم عليه ميشال عون، أو لإيجاد تبريرات للرجل حتّمت عليه إتخاذ مثل هذه الخطوة..
قد يكون وضع الأموال بإسمه وزوجه في تلك الفترة كون لا ثقة له بمؤسسات الدولة، وخشية من تبديدها في حال سُلّمت الى أية مرجعية، وبذلك تذهب أموال القضية هباء…
قد يكون وراء التحويلات الأربعينية بملايين الدولارات الى خارج لبنان عبر وضعها في مصارف أجنبية، خشية من مصادرتها أو الاستيلاء عليها في زمن الاحتلال السوري وأعوانه وعملائه.. وهنا معه كامل الحق في التفكير على هذا المستوى، فحرامٌ أن تتبدّد أموال اليتامى والأرامل هكذا ببساطة..
والسؤال الواجب طرحه، وأدعوا عونيوا هذا الزمن الى طرح الموضوع من هذه الزاوية:
1ـ لماذا الحسابات كلّها بإسمه وإسم زوجته؟
ولنفترض، لا سمح الله، أن أصاب الرجل مكروهاً.. أطال الله بعمره، ولكن كلّنا معرّضون.. أقول لنفترض، وهي فرضية جائزة وحاضرة ومحتملة.. ماذا سيكون مصير عشرات الملايين من الدولارات؟ والى مَنْ ستؤول هذه الأموال يوماً ما، في حال حدوث وفاة؟؟
قانوناً الورثة هم المستفيدون الوحيدون من هذه الأموال، وبالتالي ستؤول الى بناته وأصهرته..
ولوْ كانت النوايا سليمة، وهي عكس ذلك، لكان واجب على الرجل أن يبادر سريعاً الى خيار من إثنين:
إمّا تقديم هذه الأموال الى عائلات (وأشدّد هنا على إستعمال عبارة عائلات وليس عوائل) الشهداء، شهداء الجيش اللبناني، أو تقديمها الى مؤسسة الجيش اللبناني لتكون بتصرفها.
أو تقديمها الى أية مؤسسة ذات منفعة عامة لا تتوخى الربح، ومنها على سبيل المثال لا الحصر، الصليب الأحمر أو إحدى المؤسسات التي تعود بالخير العام على المجتمع اللبناني..
أمّا أن تبقى هذه الأموال على وضعها، فهذا يسمح لنا بمزيد من إثارة الموضوع وإنارة الرأي العام اللبناني، وهذا أيضاً يرفع عن الرجل صفة المنّزه، كونه حصل على تلك الأموال عندما كان في السلطة، وهذا لا يمكن وصفه إلاّ بوصف محدد وهو إستغلال السلطة، لأنه منطقياً لو لم يكن في السلطة لما وصلت الى يديه هذه الأموال..
وهذه الأموال، صحيح أنها أموال تبرعات، ولكن لم يتبرّع بها الناس لتتحوّل في يوم من الأيام الى جزء من حصر إرث شخص، بينما هي في الواقع أموال تبرّع بها مَن آمن بقضية لم يُبقِ منها ميشال عون أي حرف يُقرأ، ولم يُبق منها أي ذكرى طيبة، بعدما ترك القضية في نصف الطريق، وتحوّل الى ركن أساسي ومحوري من جماعة سوريا في لبنان، يتناغم معهم ويسوّق لسياساتهم، فحتّى القضية التي حصل بموجبها على التبرعات لم تعد هي نفسها بل أصبحت قضية الانقلاب على الذات والتاريخ والناس والشعارات، وليس آخرها تمزيقه للكتاب البرتقالي الذي حمله تحت إبطه يتنقل به ويوزعه لزواره وهو كتاب"الطريق الآخر"…
في الحلقة القادمة… دماء المسيحيين
