الطبيعة والتطبّع
كل من يعرف وزير الخارجية الفرنسي برنار كوشنير عن قرب يدرك تماما ان تصريحاته الدمشقية البارحة حول "النيات الطيبة" للقيادة في سوريا، تندرج عمليا في إطار التحضير لزيارة الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي الذي انتهج خيارا مختلفا حيال سوريا ظنا منه انه قادر على تغيير السلوك السوري في المنطقة، ولا سيما في لبنان، وظنا منه ايضا ان فصل سوريا عن ايران في المرحلة المقبلة سيساهم في اطباق الغرب على طهران وبرنامجها النووي اذ ستجد نفسها معزولة عن بقية المنطقة متى انقطع عنها "الجسر" السوري الذي سهّل دخولها الى قلب المشرق العربي، من لبنان الى فلسطين فبقية الكيانات العربية.
برنار كوشنير يعرف السوريين خير معرفة منذ كان على رأس منظمة "أطباء بلا حدود". كذلك يعرف ان الرئيس الحالي بشار الاسد لم يتغّير ولن يتغيّر حيال لبنان. فالاسد مسكون بـ"عقدة فقدان لبنان" الذي اورثه اياه والده الرئيس حافظ الاسد. ولولا استيلاء العقدة المشار اليها على عقل النظام في سوريا لما خاض حرباً منظمة في لبنان وضد الاستقلاليين منذ صيف 2004 حتى مطلع السنة الحالية مع اغتيال الرائد وسام عيد احد اركان التحقيق في جريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري ورفاقه.
وبرنار كوشنير المعروف بقراءته للقيادة السورية الراهنة يدرك انه بسبب تلك القراءة جرى تجاوزه في شكل كامل خلال الاشهر الماضية مع تسليم الرئيس نيكولا ساركوزي ملف لبنان وسوريا الى الامين العام للرئاسة كلود غيان ومستشاره الديبلوماسي جان دافيد ليفيت مما منع كوشنير من رسم سياسة متشددة ازاء دمشق.
وقد كان للتنسيق الفرنسي – القطري دور اساس في جعل ملف لبنان – سوريا منوطا بفريق ساركوزي مباشرة متزامنا مع اقصاء كوشنير بشكل شبه كامل عنه. اما زيارته في اليومين الماضيين لكل من بيروت ثم دمشق تحضيرا لزيارة الرئيس الفرنسي لدمشق، فترمي الى ايصال رسالة الى اللبنانيين مفادها ان باريس لا تنفتح على دمشق بشار الاسد على حساب لبنان.
والرسالة غير حقيقية بالمعنى المطلق بالطبع. فالخيار الانفتاحي الفرنسي الذي انتهجه ساركوزي مدفوعا بجملة حسابات، بعضها فرنسي داخلي لقطع "الحبل السري" مع عهد الرئيس الفرنسي السابق جاك شيراك. وبعضها عربي متصل بالعلاقة الخاصة بالدوحة على حساب العلاقة بالرياض. وبعضها الثالث اسرائيلي نابع من اصرار تل ابيب على الحفاظ على الستاتيكو على جبهتها الشمالية.
ورابعها، كما يتردد، اميركي مبني على التحضيرات العملانية للحملة على ايران المعتبرة مصدر التهديد الاكبر للغرب في المدى المنظور، ليس بسبب برنامجها النووي البدائي فحسب، وانما أيضاً بسبب تنطحها للعب ادوار خطيرة في المنطقة الاكثر حساسية في العالم، اي الشرق الاوسط.
إذا كلام كوشنير يدرج في إطار التحضير لزيارة ساركوزي لدمشق بعد اسبوع ونيف، وبحسب عارفي ما يفكر به كوشنير حقيقة لا يعكس هذا الكلام النظرة الواقعية لوزير الخارجية الفرنسي الذي ألمح الى شكوكه بربطه تقدم العلاقة منع سوريا بمدى ايجابيتها في لبنان.
في الخلاصة نقول حبذا لو يصح تحليل الرئيس الفرنسي ومستشاريه بالنسبة الى امكان حصول تغيير حقيقي في سلوك القيادة السورية. فالحق ان المشكلة تكمن في طبيعة المشكو منه لا في تطبّعه!