الأسد طلب موعداً من موسكو "لاسترضائها" بعد لومه على التفاوض مع إسرائيل في غفلة منها و"القيصر الجديد" يرفض الرهان عليه
زيارة الملك الأردني لموسكو "تفضح" زيارة الرئيس السوري
وضعت أوساط روسية واسعة الإطلاع مجموعة من المعطيات برسم كل من سارع الى "فرض" موقع جديد لموسكو في الشرق الأوسط، في ضوء التطورات الدراماتيكية في أوسيتيا الجنوبية وزيارة الرئيس السوري بشّار الأسد لسوتشي.
وسألت هذه الأوساط أولئك الذين يحملون صفة المحللين الإستراتيجيين عما إذا كانوا يعرفون الآتي:
أوّلاً، إنّ إسرائيل هي الدولة الوحيدة في العالم من خارج دول الكومنولث التي يحق لرعاياها الدخول الى روسيا بمجرد إبراز جواز السفر الإسرائيلي.
ثانياً، الوضعية المميّزة التي يعيش في ظلها مليون ونصف مليون يهودي في روسيا، حيث يُشكلون أهم مجموعة ضغط على الإطلاق.
ثالثاً، إن علاقات ممتازة تربط روسيا بتركيا التي هي عضو في حلف شمال الأطلسي.
رابعاً، إنّ موسكو حريصة على بناء علاقات متوازنة مع كل الدول في الشرق الأوسط ولا سيما منها تلك التي توصف بأنها "صديقة" للولايات المتحدة، وهي في هذا السياق بذلت جهودا جبّارة لمد جسور متينة مع المملكة العربية السعودية التي باتت تربطها بها إتفاقات إقتصادية ضخمة.
وتسأل الأوساط الروسية إياها، بناء على هذه اللمحة "المسموح بها"، عمّا إذا كان جائزا "التحليق بعيدا على متن تصريحات الرئيس السوري بشار الأسد للصحافة الروسية، عشية وصوله الى سوتشي بدل انتظار بعض الوقت للتدقيق بمعطيات حاسمة ؟".
وتستغرب كيف يُمكن لمن ملأ الفضاء تحليلات عن وقائع جديدة فرضت نفسها في الشرق الأوسط أن يحصر اهتمامه بزيارة "بسيطة" للرئيس السوري لسوتشي ويغض الطرف عن الزيارة المهمة التي قام بها الى موسكو الملك الأردني عبدالله الثاني.
ولفتت الى أنه في حال بدا مهما أن الأسد الذي يعيش وضعية صراع حقيقي ـ ويكاد يكون وجودياً ـ مع واشنطن قد اجتمع مع الرئيس الروسي ديمتري مدفيديف في لحظة تأزم في العلاقات بين روسيا والولايات المتحدة، فإن الأهم يبقى في أن الملك عبدالله الثاني الذي تقيم بلاده أفضل العلاقات مع واشنطن قد أتى في اللحظة الروسية ـ الأميركية نفسها وحظي باستقبال مميّز "قزّم" زيارة الأسد، بحيث لم تقتصر لقاءات عبدالله الثاني بالرئيس مدفيديف بل توسّعت لتشمل رئيس الحكومة فلاديمير بوتين الذي أثبتت تطورات جورجيا، بعد تعديلات مجلس النواب الدستورية، أنّه "القيصر الجديد".
وتُعرب الأوساط عن اعتقادها أن زيارة الأسد لسوتشي لا يُمكن أن يُبنى عليها أي استشراف للمستقبل، لأنها بقيت محصورة في إطار بروتوكولي ولم تصل الى المستوى التقريري والتنفيذي، ما يعني أن العلاقات الروسية ـ السورية تقهقرت ولم تتطور.
ووفق الأوساط إياها، فإن بوتين يرفض المراهنة على الأسد لأنه بالرؤية الإستراتيجية يُعتبر "حصاناً" عجوزاً"، فالنظام السوري يبيع نفسه وكأن روسيا الإتحادية الخائفة على القوقاز باعتباره حديقتها الخلفية عادت الإتحاد السوفياتي وعادت معه معادلات التمدد التي يفرضها منطق الحرب الباردة، في حين أن روسيا لا تريد حربا باردة ـ وهي أصلا غير جاهزة لها ـ كما أنها لا تحتاج الى سوريا إستراتيجيا، لأنها ليست بوارد إقامة قواعد ستُهدّد أول من تُهدّد كلا من إسرائيل وتركيا.
وتُفيد أن بوتين على ثقة بأن الأسد يحاول الإستفادة من كل الأوراق التي تظهر أمامه للعودة الى "حضن" الولايات المتحدة، فهو كان يتوسل مفاوضاته غير المباشرة مع إسرائيل عبر تركيا من أجل أن تساعده في فتح قناة تواصل مع واشنطن، ومن ثم توسّل فرنسا مستفيدا من قدرته على "التحكم" بقوى لبنانية مؤثرة، وهو في كل الأحوال "يُتاجر" بوضعية بلاده الحالية التي أصبحت قاعدة عسكرية لإيران في لحظة عالمية تجهد الى "بتر الأذرع الإيرانية"، وتاليا فقد تراءى له أن الروس يمكنهم حاليا أن يأخذوا قسطا من النفوذ الإيراني في بلاده، من أجل أن يقايض لاحقا كلا من إيران وروسيا بتحسين علاقاته مع الولايات المتحدة الأميركية، بطريقة تمكنه من الحصول على "عفو عام" من المجتمع الدولي عن "الجرائم" التي ارتكبها في لبنان قبل أن تُعاد اليه وكالة التحكم بالشأن للبناني.
وتؤكد أن طموحات الأسد "العابرة" لحدود سوريا الحالية تتناقض كليا مع السياسية الروسية الثابتة التي عبّرت عنها تجاه لبنان بالقرارات ذات الصلة الصادرة عن مجلس الأمن الدولي وبالتبرع للمحكمة ذات الطابع الدولي الخاصة بقضية اغتيال الرئيس رفيق الحريري.
وفي محاولة لوضع زيارة الأسد لسوتشي في إطارها "الدقيق" تروي هذه الأوساط ما تُسميه "خلفيتها"، وتقول إن الرئيس السوري طلب زيارة روسيا قبل شهر من حصولها وكان مقدرا إرجاؤها الى تشرين الأول المقبل، لكنّ "اصدقاء سوريا" في وزارة الخارجية ضغطوا لتقريبها مستفيدين من تقدم ملف الشرق الأوسط على "الأجندة" الروسية بفعل زيارة الملك الأردني ووفود "بالغة الأهمية" من دول عربية أخرى في وقت لاحق من أواخر آب وبدايات أيلول.
وأفادت هذه الأوساط أن موسكو كانت قد أوصلت رسائل "لوم" الى الأسد، بسبب دخوله في مفاوضات مع إسرائيل عبر تركيا من دون إعلامها بذلك على الرغم من موقعها كراعية لمؤتمر مدريد، وقالت روسيا في الرسالة إن سوريا أعطت إشارة سيئة للإتحاد الروسي بذلك، وتاليا بيّنت أنها لا تُقدّر من يقف معها في الأيام الصعبة، في إشارة الى مرحلة "العزل الكبرى"، وأظهرت أنها تضع كل ثقلها لاسترضاء الأميركيين متوسلة في عملية الجذب هذه أنقرة وباريس وتل أبيب.
وبناء على هذه الرسالة طلب الأسد الموعد وقد جرى تحديده له في وقت كان على الأسد أن يُدرك أنه لا يناسبه إستراتيجيا وتاليا كانت روسيا تأمل أن يُنتج ذلك "صمتاً سورياً"، بسبب انزعاجها من تصريحات أدلى بها خلال زيارته ما قبل الأخيرة، وبسبب الحرارة التي تدب في شرايين العلاقة الثنائية بين روسيا من جهة وبين المملكة العربية السعودية من جهة أخرى.
ولكنها لاحظت أن الأسد بدل أن يصمت عمّم صورة سلبية عنه، فهو وقبل أن يستدرك خطأه تجاه روسيا إرتكب خطأ كبيراً تجاه أنقره وتل أبيب وواشنطن، عندما أظهر، وقبل نضوج الظروف المنتجة، أن سوريا أصبحت أرضاً برسم الإيجار، ذلك أنها بعدما تحوّلت الى قاعدة إيرانية ها هي حاليا مؤهلة لتكون قاعدة روسية في مواجهة حلف شمال الأطلسي، وتركيا من أركانه وإسرائيل في حمايته.
وأكدت الأوساط الروسية أن موسكو سارعت الى الإتصال بتل أبيب لإبلاغها بأن زيارة الأسد على صلة بالعملية السلمية وليس بالعملية الحربية وتاليا فإن الحديث الجدي معه سيدور حول المفاوضات مع إسرائيل.
وقالت إنّ هذا الكلام الروسي لإسرائيل ترجمه وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف عندما شدّد في مؤتمره الصحافي على أن موسكو تريد تنفيذ الإتفاقيات المعقودة مع دمشق، وفي حال أرادت سوريا أسلحة روسية جديدة فإن موسكو مستعدة للبحث في تزويدها أسلحة دفاعية حصراً..
وقالت هذه الأوساط إن روسيا تريد جذب الولايات المتحدة الأميركية والإتحاد الأوروبي اليها توفيرا لمصالحها الإستراتيجية مستفيدة من الوهن الذي أصاب إدارة الرئيس جورج بوش بسبب سياساته التوسعية وليس الدخول في صراع معهما من شأنه في ظل المعطيات الإقتصادية الحالية أن يُدخل روسيا الإتحادية في الدوامة التي سبّبت يوما إنهيار الإتحاد السوفياتي، ويُقوّي عضد المحافظين الجدد الذين سيُعوّمون خطابهم الحربي على تخوم الإنتخابات الرئاسية، وهم في وضعية الإنهيار..
ولاحظت هذه الأوساط أن اتضاح الصورة للأسد في ضوء زيارته "العادية جداً" لموسكو (لم يكن هناك أي بيان مشترك) جعلته لدى عودته الى بلاده يصدر توضيحات حول عدم البحث في إقامة قواعد صاروخية روسية في بلاده وحول "تمسكه" بوحدة الأراضي الجورجية.
وكشفت أن الإدارة الروسية، وكان الأسد لما يزل في سوتشي، سارعت الى الإتصال بالبعثات الدبلوماسية للدول المهتمة بالشرق الأوسط وحمّلتها توضيحات على أن الأسد على عادته يحسب السياسة لعبة قمار.