#adsense

أقنعة الاتفاق المتساقطة

حجم الخط

أقنعة الاتفاق المتساقطة!

سؤال: ما هو الشيء الذي يبقى في استطاعتنا ان نتفق عليه كأبناء بلد واحد؟
جواب: لا شيء!

إذاً وراء كذبة كبيرة اسمها "الإرادة الوطنية الموحدة"، نحن نمضي في تدمير ما تبقى من معالم الدولة والمؤسسات في لبنان. الوطن الذي قد نستيقظ وبأسرع مما يتصور الكثيرون لنكتشف انه ذاب مثل كسور الحساب في التسويات الاقليمية المتفق عليها دوليا والتي تبرز ارتداداتها في المنطقة وتقاطعاتها في العواصم الكبرى.

لا ينطوي هذا الكلام على اي تشاؤم او تطيّر او مبالغة في استدرار الاحتمالات السوداء. ففي التاريخ قاعدة معروفة عند البعض وغير معروفة عند البعض الآخر، وهي تقول ان البلد الذي لا يستطيع ابناؤه ان يحكموه يمكن ان يحكمه الآخرون. ومثل هذا الكلام سمعناه قبل 32 عاما على لسان هنري كيسينجر في مطار القليعات تحديدا!

❐ ❐ ❐

الآن وبعد تاريخ طويل من الانقسامات والحروب، حروب الجنون العبثي بين اللبنانيين وحروب الآخرين باللبنانيين وعلى ارضهم، وصلنا الى مفترقات حاسمة وخطيرة ابشع ما فيها شيوع روح التخلي وترسّخ احاسيس اليأس والقنوط عند كثيرين من اللبنانيين.
وفي هذا السياق يمكن المرء ان يكتشف ان وراء كل الاقنعة ايا يكن لونها (لبنان بلد الاشكال والالوان) يبرز طموح واحد. لنقل كارثة واحدة يجمع عليها ابناء هذه القبائل اللبنانية المتصارعة، هي البحث عن البدائل او تأمين البديل. والمقصود هنا الركون الى هوية ثانية. الى بطاقة خروج من العصفورية. الى موطئ قدم في بلد آخر. الى ضياع نهائي في متاهة بعيدة. الى ميناء. الى صحراء. الى انتماء او بالاحرى الى انتهاء.

❐ ❐ ❐

يحتاج المرء احيانا الى بعض الوقاحة او الجسارة لتسمية الاشياء باسمائها. ولربما صار من الضروري القول ان البلد الذي يصاب الصالحون فيه باليأس من صلاحه، هو الى زوال. وتلك هي حال لبنان الذي تحمّل ثلاثين عاما من المآسي يوم كان واقعا تحت الاحتلال الاسرائيلي من جهة، والادارة السورية من جهة ثانية، وسبق ان تحمل اكثر من 400 عام الاحتلال العثماني ثم من الانتداب الفرنسي، ولكنه لم يتحمل ثلاثة اعوام من الصراعات الداخلية بعد انسحاب اسرائيل وخروج سوريا.

طبعا لا داعي الى التذكير بالمحطات المأسوية التي مر بها هذا البلد، منذ تمّ شطره بالسكاكين بين حركة 8 آذار التي رفعت منذ يومها الاول شعار "الوفاء لسوريا"، وحركة 14 آذار التي قامت على شعار "الوفاء للبنان". لكن من الواضح والاكيد انه منذ عام 2005 بدأ تطبيق خطة منهجية لتدمير "انتفاضة الاستقلال" بمعناها النقي وطموحاتها الشعبية ولو الرومانسية واهدافها الطهرانية عند الاخيار طبعا.

هذه الخطة تتقدم على طريق النجاح. فقد تم افشال حكم الاكثرية بالسياسة والبندقية ايضا. وأُدخل القرار السياسي الوطني اللبناني غرفة العناية الفائقة مصابا بالسكتة الدماغية، او بالموت السريري عبر فرض مفهوم تعطيلي للنظام السياسي المتبع اي "الديموقراطية التوافقية" في بلد يصبح التوافق فيه من العجائب وسط تناقضاته الداخلية والتقاطع الاقليمي والدولي فوقه.

لا حاجة الى الافاضة. فقد ذهبنا الى الدوحة كي لا ندخل الى جحيم الحرب الاهلية والى الفتنة السنية – الشيعية التي يمكن ان تحرق المنطقة برمتها. لان الشرارة المنطلقة من لبنان لها فعلها السريع والمروع الذي قد يصل الى اقاصي العالم الاسلامي، وهي لأسباب كثيرة تختلف عن تلك التي يحركها الاميركيون والاسرائيليون في العراق!

❐ ❐ ❐

لم يكن "اتفاق الدوحة" نهاية الاحزان او حتى منطلقا للخروج من الاحزان. فها هي الاقنعة تتساقط لتظهر الوجوه المعروفة اساسا. وها هي الاكاذيب تتداعى لتبرز الحقائق المروعة:

❐ اولاً: بطبل وزمر ووسط احتفالية عربية ودولية انتخبنا العماد ميشال سليمان رئيسا للجمهورية بعدما ظل في الاستيداع الرئاسي ستة اشهر ونحن نتبارى في اظهار التوافق عليه. ثم بدأت الامور تنجلي عن كذبة بلقاء اسمها "الارادة الوطنية الموحدة".

❐ ثانياً: تشكيل حكومة هذه الوحدة الوطنية من غير شر، كانت رحلة على درب الآلام لبلد فقد رجليه منذ زمن بعيد.

❐ ثالثاً: الاتفاق على البيان الوزاري وأنعم وأكرم كان تقريبا بمثابة تعليق للبلد على الصليب مع اكليل من الشوك ينخر عقول الجميع.

❐ رابعاً: عدنا 48 عاما الى الوراء اي الى تقسيمات قانون 1960 الانتخابي المجتزأة والاستنسابية والانكشارية ضد مقاعد مسيحية عدة. هذه العودة تضعنا من جديد الآن على درب الجلجلة. وهل تكون التقسيمات الهمايونية متلازمة مع الاصلاحات الضرورية ام لا؟!
المستظرف في هذا المستطرف ان الذين فلقونا بالحديث عن الشفافية والنزاهة والانتخابات الشريفة والصادقة بعيدا من ضغوط سلطة المال او السلاح، هؤلاء يستعجلون اقرار التقسيمات من دون الانتظار 10 ايام لاقرار الاصلاحات.

❐ خامساً: مرة ثانية او ربما عاشرة يتم رفع الجيش اللبناني على "الصليب" وتدق المسامير في يديه ورجليه، لان حكومة الوحدة الوطنية لا تستطيع تعيين قائد للجيش الا بعد مداولات وضغوط ومشاورات ووشوشات وفيتوات وعراقيل وشروط وابتزاز!
اذاً، ماذا يبقى من معنويات المؤسسة العسكرية عندما يكون تعيين قائدها موضع مخاض سياسي يثير النقمة والقرف، وخصوصا ان انتخاب قائدها السابق رئيسا للجمهورية كان موضع مخاض مشابه؟!

❐ سادساً: ان تعيين قادة الاجهزة الامنية سيكون ايضا حلقة اخرى في مسلسل لن ينتهي الا بانتهاء لبنان اذا استمرت فيه الانقسامات والصراعات ولا يبدو انها ستنتهي.

❐ سابعاً: مجرد سؤال استطرادي: اذا كان تعيين قائد للجيش قد اصطدم بكل العراقيل المعروفة وغير المعروفة، فكيف يمكن الحديث عن "حوار وطني" يفضي الى اتفاق على استراتيجيا دفاعية؟

❐ ثامناً: وصل الخلاف بين اللبنانيين، او معظمهم كي لا نقع في التعميم، حتى على فهم الكلمات وعلى ما هو ابشع. اي الى تزوير معاني الكلام. فعلى سبيل المثال ذهب السفير السعودي د. عبد العزيز خوجه الى طرابلس موفدا من الملك عبد الله بن عبد العزيز واعلن جهارا ان زيارته تأتي في اطار مساعي الخير التي حرصت وتحرص عليها السعودية. وانه ذهب الى طرابلس لاستنكار الفتنة والتعزية:

"ونحن تهمنا وحدة البلد مسلمين ومسيحيين، شيعة وسنة. وقد اكدنا خلال الاجتماع مع فعاليات طرابلس دور المملكة الوفاقي. ونحن ندعو رجال البلد وعقلائه الى ان يزنوا الامور بهدوء وبعيدا من الانفعال (…). وقد نبهنا الى مخاطر الفتنة التي إذا ما اشتعلت فلن تفرق بين احد وأحد بل ستأكل الجميع وستمتد الى كل ناحية في المنطقة والعالم الاسلامي. ومن يطفئ نار الفتنة اذا اشتعلت لا سمح الله(…)؟ ونحن مستعدون لتقديم المساعدات وتمويل المشاريع في مدينة طرابلس ولكن من خلال الدولة فقط او المؤسسات التي تعمل باذن من الدولة".

هذا كلام واضح ومفهوم ولكن في لبنان المنكوب بالصراعات والتدخلات والانقسامات ستجد من يثير الاستغراب والاستياء في الناس طرابلسيين ولبنانيين عموما عندما يقول ما قالته اوساط "شمالية" معارضة للزيارة من انها محاولة من السعودية لايجاد توازن بجعل طرابلس تعويضا عن بيروت بعد اجتياحات 7 ايار.

هذا كلام معيب طبعا. ولكن لشدة العيوب الضاربة في هذا البلد المنكوب، لم يعد الكثيرون يميزون بين الابيض والاسود. وليس هناك تقريبا من يتذكر وسط هذا الطوفان الكارثي من الخلافات، انه عندما لا يعود في وسع شعب ان يتفق على شيء لن يبقى له اي شيء!

المصدر:
النهار

خبر عاجل