خوضوا الانتخابات بأسلوب حضاري
يبدو ان الهدف الاساسي بل الاول في هذه المرحلة للعماد ميشال عون زعيم "التيار الوطني الحر" بل مؤسسه هو الفوز في الانتخابات النيابية التي يفترض ان تجرى في ربيع السنة المقبلة. والمقصود بالفوز هنا الحصول على تفويض الاكثرية الساحقة من المسيحيين لتمثيلهم في مجلس النواب وتالياً للدفاع عن وجودهم مصالحهم في صيغة معقدة ومركّبة في بلد تسكنه "شعوب" متقاتلة ومتناحرة سلّم كل منها قراره الى خارج ما انطلاقاً من انتماء ما يفوق بدرجة كبيرة الانتماء الى الوطن الذي يجب ان يشعر به كل لبناني.
طبعاً يستطيع "الجنرال" ان يفوز وان "خسر" لا سمح الله مواقع مسيحية فاز بها في انتخابات 2005 او بالاحرى اخفق في الاحتفاظ بها او في زيادتها قليلا اذا فاز حلفاؤه غير المسيحيين في 8 آذار في دوائرهم الانتخابية وفي الدوائر المسيحية التي لهم ثقل كبير فيها سواء بفعل اعداد من الناخبين او بفعل هيبة السلاح والجغرافيا او بفعل هيبة المال. لكن فوزاً كهذا لا "يشبعه" او بالاحرى لا "يفش خلقه" هو الذي تعرض او اعتبر انه تعرض ولا يزال يتعرض منذ عودته الى لبنان قبل الانتخابات الاخيرة الى استهداف متعمد من 14 آذار بمسيحييه والمسلمين بغية ابعاده عن الموقع الاول في الدولة، وقد حصل ذلك، وبغية تقليص التأييد الشعبي المسيحي له وتالياً تصغير حصته النيابية تمهيداً لازالة اثره من الحياة السياسية والوطنية اللبنانية الذي ما كان ليكون لولا شعبوية معينة عنده وحقد مسيحي على ميليشيات الحرب وسياسات استيعاب محلية واقليمية بوسائل متنوعة وظفت تياره كما غيره في البلاد بغية تنفيذ اجنداتها الخارجية المتنوعة. لذلك فانه يسعى بكل جهد للاحتفاظ بالمركز المسيحي الاول في التمثيل النيابي والشعبي. ولهذا السبب تحالف مع حلفاء سوريا من المسيحيين – المسلمين. ولهذا السبب ايضاً انتهج سياسات مناقضة لسياساته السابقة وغطى اعمالا كثيرة واعطى لجهات داخلية وخارجية براءات ذمة قبل ان يقول القضاء المحلي او الدولي رأيه او قبل ان يلفظ حكمه. ولهذا السبب قبل ان يكون رأس حربة في صراع مذهبي سيدمّر لبنان ويقضي على وحدته ويوقع شعوبه في حرب اهلية يكون فيها المسيحيون الخاسر الاول. ومــــن شأن ذلك كله ان يســــــاعده على الفوز بالمقاعد النيابية المسيحية الواقعة في الدوائر الاسلامية وتحديدا الشيعية. كما ان من شأن شعبويته والكاريــــزما التي يتمتع بها ويفتقدها منافسوه المسيحيون مساعدته على الفوز بمقاعد الدوائر المسيحية او على الاقل بمعظمها.
لماذا يريد العماد ميشال عون الفوز بالتمثيل المسيحي الاوحد، او على الاقل الاول في لبنان؟
لأن همه المحافظة على المسيحيين في لبنان وعلى عيشهم الواحد مع المسلمين واقامة دولة توافقية متوازنة خالية من الفساد تكاد تشبه جمهورية افلاطون، على ما يقول انصاره واحباؤه. ولأن همه الغاء اخصامه من كل الطوائف وبعد الانتقام منهم الحصول على موقع الريادة وربما لاحقاً الرئاسة الاولى التي حرموه اياها وخصوصاً اذا حالت تطورات قد تحصل في البلاد دون استمرار العهد الجديد رغم انه لا يزال في بدايته، على ما يقول اخصامه.
ونحن لا نريد الخوض في اي جواب هو الاكثر صحة لاننا لا نحكم على النيات، وهذا امر يرفضه هو رغم انه يمارسه كثيراً، لكننا نريد ان نلفت العماد عون الى ان في امكانه الفوز في الانتخابات "المسيحية" كما الوطنية مع حلفائه بطريقة سهلة جداً، ومن دون ابقاء الشعوب اللبنانية مرعوبة كلما ادلى بتصريح او قام بزيارة او هدد وزمجر وابتسم وضحك في مؤتمراته الصحافية وخطاباته وخائفة من حروب وأعمال عنف.
وهذه الطريقة ليس فيها اي شيء من التهديد. اي ليس عليه مثلا ان يلوّح بأي امر ما قد يحصل لأن الفراغ غير موجود في الطبيعة في حال "امتنع" نواب 14 آذار عن التصويت وفي اليوم الذي يريده حلفاؤه على مشروع قانون مجتزأ للانتخاب. فهو ممثل في الحكومة بوزراء خمسة ابرزهم (علماً انهم كلهم بارزون) اثنان. الاول، صهره جبران باسيل وزير الاتصالات والناشط في "التيار". قبل ان يصبح صهره. والثاني، حليفه ممثل حزب الطاشناق الارمن اندريه طابوريان وزير الطاقة والموارد المائية والكهربائية.
وفي استطاعة الاول ان يخفض سعر مخابرات الخليوي التي هي الاعلى في المنطقة وربما في العالم وان يقضي على الفساد والسمسرات في اروقة وزارته، وخصوصاً في موضوع البطاقات الخليوية المسبقة الدفع وبذلك يكسب وتياره تأييد الجمهور اللبناني وليس المسيحي فقط. وهذا الكسب سيبقى له اذا اخفق. ذلك ان قرارا من هذا النوع يقتضي "اجماعا" او اكثرية في مجلس وزراء لا يملك وحلفاؤه الا ثلثاً معطلاً فيه أو مجلس نواب ليس له ولحلفائه غالبية فيه. لا بل ان الاخفاق سيزيد من شعبيته وخصوصاً اذا وظف وتياره هذا الامر شعبياً وواصل خوض معركته في الشارع ولكن من دون عنف. اما الثاني ففي استطاعته بدل ان يعد الناس برفع سعر الكهرباء التي لا تصل الى الناس ان يعمل جدياً لايصالها اليهم ثم تخفيف تقنين توزيعها والعمل في الوقت نفسه لايجاد حل دائم لها. ونجاحه في ذلك يؤمن له تأييد غالبية لبنانية متنوعة ولحزبه وللفريق المتحالف معه. واخفاقه وخصوصاً اذا تسببت به مواقف الغالبية (14 آذار) وانطلاقا من خلفية خلافات سياسية ومصالحية ومذهبية وطائفية وانتخابية، سيؤمن له ولكل المذكورين معه تأييد الغالبية نفسها.
هل يلجأ العماد عون وتياره وحلفاؤه الى هذه الاساليب الحضارية لكسب المعركة الانتخابية؟
لا احد يملك جواباً عن هذا السؤال، لكن الامل ضئيل في ذلك لانه وحلفاءه المسيحيين صاروا اسرى حليفهم المحلي الاكبر المرتبط او ربما المكبل باجندة اقليمية مزدوجة، والامل ضئيل ايضاً لان اخصامه المسيحيين صاروا اسرى حليفهم الاكبر على الصعيد المحلي وهذا الحليف صار مضطرا الى مسايرة تيارات محلية لا مكان في سياستها لاحد غيرها في لبنان فضلا عن انه وهم صاروا اكثر ارتباطاً باجندتين اقليمية ودولية حماية لانفسهم بعدما كاد اخصامهم المحليون برعاتم الاقليميين ان يتفوقوا عليهم.