من "السلاح لحماية السلاح" إلى السلاح لحماية الأعلام والصور والشعارات الحزبية
موقع "أمل" غير هذا الموقع وربع استدارة منها كافية
حتى زمن غير بعيد كان يسقط شهداء لحركة "أمل" أو لـ"حزب الله" في اشتباكات على خلفية خلافات حول رفع أعلام الحركة أو الحزب فوق الأعمدة الكهربائية أو حول رفع صور لشهداء سبقوهم سواء في مقارعة المحتل الإسرائيلي أو في "قتال الأخوة" في إقليم التفاح ولا ننسى معارك الضاحية وبعلبك.
وغالباً ما كانت الخلافات "الأخوية" بين الحركة والحزب تتطلّب تدخلاً على أعلى المستويات التنظيمية، وفي ظل رعاية أمنية سورية حاضنة حيث كانت الجهات المخابراتية السورية أحياناً وراء اشتعال الموقف وأحياناً وراء إطفاء الاشتعال، بل كانت عيونها وقرون استشعارها وراء كل من الاشتعال والإطفاء في عديد من الحالات. الاشتباك "الأخوي" غالباً ما كان يتوقف فجأة سواء اتخذ مسرحه في قرية جنوبية أو ضاحية للضاحية الجنوبية أو كلية جامعية من الكليات الملحقة بممرّات آمنة أو أمنية بالفصيلين المقاومين في جنوب لبنان.. "أمل" و"حزب الله".
ذاك المشهد كان ماثلاً أمامنا تتناقله الشاشات وتلوكه الألسن حتى زمن غير بعيد. وكانت حركة "أمل" و"حزب الله" يؤكّدان في كل مرة، وربّما أكثر من اليوم، على التحالف المصيريّ بينهما، ولم يكن ذلك مانعاً لمشهد حروب "رفع الأعلام" التي ظلّت تتكرّر ولو بشكل موسمي.
منذ ثلاث سنوات، تقلّ أو تزيد، غاب مشهد "الاشتباك على الأعلام والصور" إلى حد كبير. ربما كان ذلك نتيجة الاحتباس الحراري في "اعتصام" الوسط التجاري إلا أن بيت القصيد كان صحوة بيروت على أعلام لحركة "أمل" و"حزب الله" والقوميين السوريين والبعث في معظم الشوارع والحارات، وبالذات في أماكن لا تجد فيها متعاطفاً واحداً "منذ أكثر من ثلاث سنوات.. على الأقل" مع أيّ من هذه التشكيلات.
كان "حزب الله" معنياً يومها بـ"شبكة اتصالاته" وبأمن مطار يعتبره مطاره ما دام يقع بالقرب من مربّعه الأمني، وربما أوجب على المسافرين منه والآتين إليه غداً التعريج على "شرطة الانضباط" التابعة له لنيل تذكرة سماح بدخول بيروت.
أما الأنصار الميدانيين لحركة "أمل" فكانوا أكثر اهتماماً بتثمير الضربة الأمنية "شعاراتياً" في لعبة ترسيم رمزي لمناطق السيطرة. وانصبت جهودهم على "شبكة الصور والأعلام" التي امتدت في طول المدينة وعرضها، تحذر كل معتد عليها بقطع اليد.
باختصار: هذا يعلن أن "السلاح هو لحماية السلاح" وذاك يبشّر بأن "السلاح هو لحماية الصور والأعلام والشعارات المكتوبة على الجدران". كانت للفتنة زينتها. فُرضت هذه الزينة على بيروت، وتحوّلت ذريعة جديدة لأيّ ضغط أمني يراد أن يمارس على أهالي بيروت.
أهالي بيروت؟، تستنكر "أمل" و"حزب الله" الوصف. تقول عروتهما الوثقى: نحن أيضاً أهالي بيروت، وفي 23 كانون الثاني 2007 ما كنا نحاصر بيروت من ضواحيها بل كنا نحميها، وفي 7 أيار 2008 كانت تتعرّض لهجمة الغرباء الطارئين عليها من عكّار وسير الضنية، فكان لزاماً علينا حمايتها، وتكفّلت الزوابع القومية الاجتماعية بمطاردة الصحون الطائرة.
تحت شعار "بيروت للجميع" أو "بيروت لنا ولكم" يفرض أنصار "حزب الله" وحركة "أمل" أجواء أمنية وأهلية خانقة على أبناء بيروت. والمشكلة مع أنصار الحزب والحركة أنّهم يريدون في السياسة أو في الأمن "الاقتراع مرّتين"، مرة في مسقط الرأس ومرة في مكان السكن. انتخابياً، يقترع أكثرهم في الجنوب اللبناني، لكنهم سياسياً يفرضون تأثيرهم انطلاقاً من الكثافة السكانية والأمنية في الضاحية الجنوبية. الآن بات أنصار "حزب الله" وحركة "أمل" يطالبون بأن يحتسب الواحد منهم ثلاث مرّات: هو في الجنوب وفي الضاحية الجنوبية وفي بيروت في آن واحد. أما "الشركاء الآخرون في الوطن" فلزام عليهم أن "يتشاركوا" مع "حزب الله" في الكبيرة والصغيرة وأن لا يتجاوزوا ما يفضل لهم في ما وراء "شبكة الأعلام والصور والشعارات الحزبية على الجدران". أما إن شاء هؤلاء "الشركاء في الوطن" التطرّق إلى موضوعات على مقاس الوطن كالجنوب اللبناني وقضاياه، فلهم أن ينتظروا الزيارة السياحية التي ينظّمها لهم "حزب الله" بعد توقيع "التفاهم" معه.
أما تجاوز هذا المنطق المتغلّب بالأمن وبالسياحة الأمنية فلا يكون فقط بطلب "الاعتذار من بيروت" وإنما بمبادرة بيروت للترحيب بالوافدين إليها.
"أهلاً بكم في بيروت".. هي كافية لإسقاط "ثقافة 7 أيار".. لكنها تختلف إن وجهت لـ"حزب الله" أو لأنصار حركة "أمل".. وهي عندما توجّه لهؤلاء تذكّرهم بأن مكانكم الصحيح ليس وراء "حزب الله"، ليس في تغطية صفحاته في مقابل تحميله لكم وزر التعديات والتجاوزات. مكانكم في نصف استدارة، بل في ربع استدارة، إن حدثت، أنقذت طائفة بأسرها ووطناً بمجمله من الإهدار الأيديولوجي والأمني للطاقات الحية.