#dfp #adsense

ركائز سليمان ومعايير المرّ و”الحياد الإيجابي” البديل من الحياد الشهابي

حجم الخط

الجيش يعيش في واحدة من أدق أزماته الوجودية وإنقاذه يبدأ بتعيين قائد غير مسيّس و"طويل العمر" وقادرعلى بلورة دوره وفاعليته
ركائز سليمان ومعايير المرّ و"الحياد الإيجابي" البديل من الحياد الشهابي

يوم انتقل العماد ميشال سليمان ـ الموصوف محايداً ـ من اليرزة الى بعبدا، إستلم قيادة الجيش بالوكالة رئيس الأركان اللواء شوقي المصري، الموصوف ميّالا الى قوى الرابع عشر من آذار، بفعل الصلة القائمة بينه وبين رئيس اللقاء الديموقراطي النائب وليد جنبلاط.

إلا أن هذا التغيير في الوصف لم يُنتج مفاعيل ميدانية، فالجيش اللبناني، وعلى الرغم من التبدل الحاصل على مستوى الأمرة، بقي عاجزا عن فرض القوانين التي تُحرّم إستعمال السلاح واقتنائه، مكتفيا بلعب دور "شيخ الصلح" كلّما نشب خلاف "عفوي" أو كلّما ارتأى طرف مصلحة في "تسخين"الشارع.

وهذه الحقيقة "المتمادية "يعرفها البيروتيون في السابع من أيار الماضي كما في الأيام القليلة الماضية، ويعرفها الطرابلسيون منذ التوقيع على اتفاق الدوحة حتى اليوم، ويعرفها اللبنانيون من تواصل التهديدات باستعمال السلاح ـ بدءاً بالنائب محمد رعد وصولا الى النائب ميشال عون ـ في الداخل كلّما عجز "فريق الثلث المعطّل" عن فرض واحد من شروطه السياسية.

ومن يُدقّق بما يقوله كثيرون من اللبنانيين يُدرك أن الجيش اللبناني فقد الثقة التي كانت معقودة عليه، لدرجة تدفع بالكثيرين منهم في لحظات اليأس ـ وما أكثرها ـ الى السؤال عن الجدوى منه، طالما أنّ المواجهة مع إسرائيل معقود لواؤها لـ"حزب الله"، والمواجهة مع النظام السوري، حتى على المستوى المخابراتي، مُحرّمة، والمواجهة مع المجموعات المسلّحة في الداخل مستحيلة لأنها تُعرّض وحدته للخطر.

وسط هذه الصورة وفي ظل هذه الوقائع، يتقدّم الى الواجهة موضوع تعيين قائد جديد للجيش، على أساس "العراقيل" السياسية الناجمة عن اختلاف في تقويم "هوى" الشخصيات العسكرية المرشّحة لهذا المنصب، حتى بدا للبنانيين أن وصول مجلس الوزراء الى التوافق على شخصية تُرضي كل مكوّناته، يعني الموافقة على تمديد مرحلة التفلّت الداخلي، التي بدأت في السابع من أيّار الماضي.

وهذه القناعة اللبنانية العامة التي تتجلّى في لا مبالاة المواطن اللبناني بالكباش الدائر بين السياسيين ويُغذّيه، بقدرات إستخباراتية، أحد الراغبين في الوصول الى قيادة الجيش، تشي بأن المؤسسة العسكرية في خطر وجودي حقيقي ولا بد من أجل الإنطلاق في عملية إنقاذية حقيقية من إدخال تعديلات جوهرية على النقاش، بحيث تقفز هذه المسألة فوق حواجز الشخصيات المرغوب بها لتستقر عند الدور المطلوب من المؤسسة العسكرية في المرحلة اللاحقة، والشخصية المؤهلة لمواءمة الجيش مع الدور المنشود.

وبهذا المعنى، فإن الركائز النظرية التي أعلنها رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان في خطاب عيد الجيش الأخير قد تصلح لبلورة الدور المطلوب من المؤسسة العسكرية في المرحلة الحالية. وهذه الركائز يمكن اختصارها بأربعة: مواجهة العدو الإسرائيلي. الإعتراف بالبندقية التي تتوجّه فوهتها نحو الحدود. إسباغ صفة العداء على كل بندقية ­ أيّا كان حاملها­في حال كانت وجهتها فئة لبنانية. ومحاربة الإرهاب.

وتأسيسا على هذه الوظيفة التي رسمها الرئيس سليمان وهو يتكلم مع العسكريين في الأوّل من آب الماضي، يُفترض منطقيا وواقعيا، أن يتم البحث في الشخصية العسكرية الأفضل لمنصب قائد الجيش.
ذلك أن رئيس الجمهورية أسقط للمرة الأولى نظرية الحياد في الجيش اللبناني التي أسّس لها في العام 1958 سلوك الرئيس الراحل فؤاد شهاب، عندما كان قائدا للجيش.

ومن يُدقّق بما قرأه الرئيس سليمان ­ أي أن النص ليس ارتجاليا بل وليد تفكير وتمّ اعتماده عن سابق تصوّر وتصميم ـ يُمكنه أن يتأكد أن "الحياد الشهابي" سقط مدويا في 7 أيّار 2005 وباتت الحاجة ملحة، إنقاذا للوطن والدستور والجيش، الى ما يُمكن تسميته "الحياد الإيجابي".
وإدخال هذا النوع الجديد من الحياد الى العقيدة العسكرية للجيش اللبناني تمهيدا لتعميمه على كل القوى المسلّحة في لبنان، يعني منع الجيش في المرحلة المقبلة من الوقوف متفرّجا على مجموعة مسلّحة تضطهد مجموعة سياسية مناوئة لها، أو مجموعة ميليشياوية محترفة تُحارب مجموعة شباب تجمعوا في أحيائهم مستعملين ما يمتلكون من أسلحة فردية، لمواجهة الميليشيا المحترفة.

وتنفيذا لهذا "الحياد الإيجابي" فإن الجيش سيكون ملزما بمواجهة المجموعة المحترفة بما يتناسب مع قوتها، على ان يواجه المجموعة الأخرى بما يتناسب مع "بدائيتها"، ومن ثم يعمد الى تنظيف المنطقة التي سينتشر فيها ـ وهذا من البديهيات العسكرية والإلزامات القانونية ـ من كل أنواع الأسلحة، مهما كانت الصفة التي تتدثّر بها.

ولعلّ هذا الدور الذي رسمه سليمان، وصفّق له جميع من سمعوه في ثكنة شكري غانم أو اطلعوا عليه في وسائل الإعلام، يفرض نفسه فوق خطوط التماس التي يرسمها النقاش السياسي "التكتيك" الدائر حاليا حول الشخصية "المرغوب بها" لقيادة الجيش، وقد حاول وزير الدفاع الياس المر أن يسحب فتيله المتفجّر بإدخاله تعبير "جدول المعايير" على قاموس السلطة اللبنانية.

وهنا لا بد من التساؤل عمّا إذا كان المر يضع معيار "الحياد الإيجابي" في "جدول المعايير"، أو بالأحرى هل أن المعايير التي يتضمنها الجدول التقني تخدم المفهوم السليماني للحياد الذي سيحل مكان المفهوم الشهابي؟

وعلى هذا الأساس، ثمة أسئلة لا بد من طرحها على الجهات المعنية بالإختيار:
أولاً، هل يُمكن أن يقود الجيش الى هذا الطموح الوطني ضابط أنجز الكثير في العلاقات العامة والقليل في الوظيفة العسكرية المناطة به؟
ثانياً، هل هو بمتناول ضابط على صلة متساوية بغالبية السياسيين أم هو ممكن حصراً مع ضابط على"قطيعة" متساوية مع جميع السياسيين؟
ثالثاً، هل يُمكن لمن سوّق لنفسه بين الأطراف السياسية المختلفة على كل شيء إلا على شخصه، ألاّ يغرق في "الحياد السلبي"، على اعتبار أنّ التجربة التسويقية التي أوصلته الى قيادة الجيش يُمكنها لاحقا أن توصله الى رئاسة الجمهورية؟

رابعاً، هل يستطيع قائد للجيش يدق عمره باب التقاعد أن يُحقق الهدف المنشود، أم أنّه منذ اللحظة التي يدخل فيها الى مكتبه يُعطي إشارة انطلاق الى الطامحين لبدء تأهيل أنفسهم من أجل خلافته، الأمر الذي من شأنه أن يخلق هوّة تفصل بين بناء "الحياد الإيجابي" من جهة وبين الفاعلية العسكرية، من جهة أخرى؟

خامساً، هل أن قائدا للجيش أمضى سنوات خدمته العسكرية متنقلا من وظيفة لوجستية الى وظيفة مكتبية يُمكنه أن يبني الأسس السليمة للحياد الإيجابي أم أن الحاجة صارخة الى قائد أمضى غالبية عمره العسكري في الميدان، بحيث يؤسس لهذه الوظيفة العسكرية الجديدة بدقة تُراعي قدرات العسكر من جهة والأوامر السياسية، من جهة أخرى؟

وعند الإجابة عن هذه الأسئلة يُصبح تعيين مدير المخابرات في الجيش اللبناني من "أسهل" القرارات، لأن "الحياد الإيجابي" يستدعي تفاعلا بين قائد الجيش ومدير مخابراته، إنطلاقا من حاجة المؤسسة العسكرية، في هذه الحالة، الى الإكثار من "التدابير الوقائية" التي تحول دون الإفراط في استعمال البندقية الردعية من جهة أولى وتحمي الإستقرار من خضّات متتالية أو موسمية من جهة ثانية وتوفّر رؤية واقعية من شأنها إعمال قواعد الإقتصاد في نشر الوحدات العسكرية في "النقاط الحارة"، من جهة ثالثة.

قد يكون هذا التطلّع الى سحب الجيش من اللاوظيفة الى الوظيفة ونقل السياسيين من اعتماد جدول المعايير الفردية الى القبول بجدول المعايير التقنية، مجرد حلم ليلة صيف، ولكن المشكلة مع الثنائي ميشال سليمان ـ الياس المر أنّه يُتيح للبنانيين أن يتفوّقوا على كابوسهم المعيوش، بالتطلع الى المستقبل من الكوّة التي أحدثها حسن الطوية.

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل