لماذا تسويق اخبار التوطين ومن بوسعه التحكم بالقرار؟!
لم يتوقف البعض عن تسويق اخبار توطين الفلسطينيين في لبنان، ليس لأنهم يملكون معلومات وادلة ووثائق، بل لان الموضوع يحك على الجرح السياسي لمن يعتبر انه يلعب دوراً وطنياً مميزاً، لا سيما ان ملفاً بحجم توطين اللاجئين يتطلب اكثر من تغطية سياسية ومذهبية، خصوصاً ان الدستور في لبنان ينص صراحة على منع التوطين!
والذين لا يقنعهم القول ان الدستور يمنع التوطين، لم يقاربوا في اجتهاداتهم النص الدستوري القائل ان السلطة وحدها صاحبة القرار في البلد. كما انهم لم يقولوا يوماً كيف اجازوا لأنفسهم تأييد انشاء دولة ضمن دولة، ولا هم برروا كيف يجوز حصول اجتياحات امنية على خلفية سياسية وبمباركة سياسية؟!
فالرئيس الفلسطيني محمود عباس المنكوب بمؤثرات سياسية فلسطينية داخلية، قال ما يفهم منه ان «السلطة ضد التوطين»، وشدد بصريح العبارة على ان من الخطأ الانجرار وراء مؤامرات وتصورات غير موجودة الا في ذهن الاسرائيليين، حيث لا بد وان يفهم كلامه على ان مخطط توطين الفلسطينيين في لبنان هو نتاج اسرائيلي (…)
بل ان كل من يعزز الاعتقاد بوجود مشروع للتوطين يكون ناطقاً بإسم العدو ليس إلا!
وتقول اوساط قريبة من الوفد الرئاسي المرافق لعباس انه لو كانت هناك خطة للتوطين في لبنان لما كان المخططون قد انتظروا زهاء ستين عاماً لترجمة مشروعهم. فضلاً عن ان قدرات الداخل في مرحلة من مراحل الازمة اللبنانية لم تكن مؤهلة لمنع التوطين، بقدر ما كانت قادرة على فرضه بقوة السلاح وبقوة الامر الواقع وبقوة السلطة التي كانت تتحكم بمفاصل الحياة الرسمية والمؤسسات والرئاسات؟!
واللافت في سياق تسويق اخبار التوطين «التقاء المسوقين عند معلومات اميركية – اسرائيلية وعند تقارير اميركية – اسرائيلية» للقول ان ما يتحدثون عنه اقل بكثير مما يجوز الاخذ به واعتباره حقيقة واقعة!
أما اذا كانت مادة التوطين «مجرد تنبيه سياسيا»، فثمة من يجزم بأنه في حال كانت رغبة اميركية بتوطين اللاجئين، لما تقاعست واشنطن عن خنق السلطة اللبنانية وخنق المؤسسات اللبنانية واسقاط الدستور اللبناني اسوة بما فعلته بعض الايدي اللبنانية!
كذلك، هناك من يعطي امثلة اكثر دقة ووضوح، من بينها الموقف الاوروبي والموقف الفرنسي والموقف الفاتيكاني. اما في حال اصر المصرون على عوامل تخويفهم من التوطين، فمعنى ذلك انهم هم من يتطلعون الى متغيرات داخلية تسمح لهم بتغيير ما لم يقدروا على تحقيقه بوسائل دستورية وقانونية!
وما يثير التساؤل ايضاً وايضاً ان الذين لم يتوقفوا يوماً عن اثارة هواجس التوطين، لم يعربوا يوماً عن موقفهم من تطويق بعض فصائل المقاومة الفلسطينية الخاضعة لقوى خارجية لمناطق لبنانية، بل كيف تتوقف الهواجس الاخرى امام ما تقوله جبهات وقوى واحزاب اللاجئين الفلسطينيين في لبنان انها في صلب العمل المقاوم المكمل لعمل حزب الله (…)
كذلك، لا بد من سؤال الذين لم يتوقفوا يوماً عن اخبار التوطين، عن رأيهم في «اللعبة السياسية – الامنية الفلسطينية» الخاضعة للسلطة السورية، بما في ذلك تلك الخاضعة لحركة «حماس». وعلى من لا يعجبه هذا التحديد ان يستذكر تحرك «قوى الجبهات الفلسطينية غير الخاضعة لسلطة الحكم الذاتي» وكيف تتصرف في اوقات تستدعي منها التكشير عن انيابها لضرورات اقليمية؟!
ومن الواجب بل الضروري تحليل الاخبار والمعلومات التي تتحدث عن التعويضات المالية المقترحة للتوطين وللتهجير في آن، مع العلم ان اي تحرك فلسطيني يقوم به اللاجئون ليست مؤهلة البلد وليست قادرة مؤسساته العسكرية والامنية على مواجهته، بدليل ان حادثة مخيم نهر البارد حصدت عشرات الشهداء من الجيش والقوى الامنية، وهي في نطاق محدود جداً، قياساً على الانتشار الفلسطيني في طول لبنان وعرضه؟!
ومن الضروري تذكير «التيار العوني» بالتحديد، بأن حليفه حزب الله قد اعتبر اي تصرف للسلطة في مواجهة خوارج مخيم البارد خطاً احمر، حيث الاعتقاد يومها كان يأخذ في الاعتبار احتمال تحرك واسع للمخيمات، وعندها يمكن فقط تصور مشهد سياسي – امني مختلف في البلد، شاء ميشال عون ام ابى وشاء من يهمه تسويف اخبار التوطين ام ابوا؟!
كلمة حق تقال في هذا الصدد، وهي «ان روما لبنان من فوق غير روما لبنان من تحت». وهذه المعادلة لم يدركها ميشال عون الى الآن مع انه جرب النظر من فوق الى تحت يوم ظن ان بوسعه اللعب على متناقضات الداخل والخارج، بحسب ما كان يعيشه بين مؤيديه ودعاته من «شعب لبنان العظيم.. بغبائه»؟!