#adsense

دونكيشوتية الجنرال

حجم الخط

استبعَد نفسَه عن المشاورات وخاضَ معركة خاسرة لفصل التقسيمات عن الإصلاحات.. وبرّي خذله
دونكيشوتية الجنرال

عشيّة الجلسة التشريعيّة الثلاثاء الماضي، خرج الجنرال ميشال عون مِن اجتماع كتلته النيابيّة مهدِّداً بأنّ رفض نوّاب الأكثريّة إقرار التقسيمات الإنتخابيّة في الجلسة سيقود إلى ما لا تُحمد عقباه، ناسباً إلى فريق 14 آذار أنّه لا يريد حصول إنتخابات نيابيّة، ملوّحاً بفراغ سينشأ وبأنّ الأقوى سيملأه. وتكفّل الإعلام العونيّ بالتلميح إلى تطيير الإنتخابات على قاعدة انّ "الأكثريّة الحريريّة بعدم إقرار التقسيمات تؤسِّس لتطيير العمليّة الإنتخابيّة"(!).

مقدّمات حسم "المخرج"

في هذه الأثناء، أي فيما كان عون يهدّد، كانت إتصالات تجري بينَ قادة من فريق 14 آذار ورئيس المجلس النيابيّ نبيه برّي. وفي هذه الإتصالات، قدّمت 14 آذار منطقاً قوياً قانونيّاً وسياسيّاً. في القانون انّه لا يمكنُ صدور قانون الإنتخاب على دفعات لأنّ قانون الانتخاب لا يقتصر على التقسيمات فقط بل يشمل سائر جوانب العمليّة الانتخابيّة. وفي السياسة أن لا تراجُع من جانب 14 آذار عمّا تمّ الاتفاق عليه في الدوحة لكن لا حاجة إلى "سلق" قانون الإنتخاب ككلّ وانّ فترة زمنيّة قصيرة "لا تفسد في الودّ قضيّة".

كانت الأكثريّة تعرف أنّ في مقدورها، ديموقراطيّاً، داخل الجلسة ألاّ تمرّر قانوناً "مشقّفاً" سواء بالتصويت أو بممارسة "لعبة النصاب". وكان برّي يعرف ذلك من جهته أيضاً. لكن لا الأكثريّة ولا برّي كانا يريدان نتيجة "تصادميّة"، وأبديا حرصاً على "نتيجة منطقيّة". وبالفعل هكذا كان، وعلى ما يبدو فإنّ برّي أقنع "حزب الله" بسحب إقتراح القانون الذي كان تقدَّم به بواسطة أحد نوّابه بشأن التقسيمات، وإقترح على الهيئة العامة أن يحال الأمر إلى "لجنة الإدارة والعدل" فتبتّ التقسيمات وتوزيع المقاعد وتستكمل بتّ الإصلاحات وتعود بمشروع متكامل في 25 أيلول المقبل.

الجنرال وفنّ إستبعاد نفسه.. عن حلفائه

لماذا هذه المقدّمة؟
للقول أوّلاً إنّها ليست المرّة الأولى التي يبرهن فيها الجنرال على أن لا علاقة له بالديموقراطيّة البرلمانيّة، ولا بالتمييز بين الخصومة السياسيّة من ناحية وأصول العمل البرلمانيّ من ناحية ثانية.
وللقول ثانياً إنّها ليست المرّة الأولى التي "يغلق" فيها الجنرال على نفسه و"يرمي مفتاح المنزل من النافذة"، بل يضع نفسه خارج أيّ "تفاوض" جدّي يبحث عن مخارج، حتّى أنّ حلفاءه يضطرّون أكثر من مرّة إلى إستبعاده عن التشاور عندما يريدون "الحلحلة".. فانتهت الجلسة التشريعيّة الأخيرة وهو "وحيد" في "مصارعة طواحين الهواء".

في 9 أيّار بشّر عون بانتهاء "الحسم"

وللقول ثالثاً إنّ الجنرال أثبت مرّة أخرى "دونكيشوتيّة" موصوفة. و"الدونكيشوتيّة" هي إمّا إفتعال معارك وهميّة وإمّا خوض معارك مستحيلة، وله في الحالتين سجلّ حافل.
وعلى ذكر "الدونكيشوتيّة"، لا بدّ من التذكير بأنّ عون أطلّ على اللبنانيين في التاسع من أيّار الماضي يبشّرهم بأنّ العمليّة العسكريّة في بيروت إنتهت وبأنّها حقّقت النتائج المتوخّاة منها، لاسيّما "وضع مسار السلطة على السكّة الصحيحة". إستقوى الجنرال بـ"سلاح حزب الله" وأعلن ولادة مرحلة سياسيّة بـ"توازن" مختلف وراح ـ في اليوم نفسه ـ يتحدّث عمّن سيساءَلون ويحاكَمون الخ..

إنّها إذاً "دونكيشوتيّة" الجنرال. وبما انّ الله لا يغيّر ما في قوم حتّى يغيّروا ما في أنفسهم، فإنّ عون يملأ وقته بـ"الدونكيشوتيّات".

ماذا عن الاغتراب اللبناني؟

لا يتعلّق الأمر بطلب إعطاء صلاحيّات لنائب رئيس الحكومة فقط، وهو مطلبٌ لا أصل له لا في إتفاق الطائف ولا في الدستور. لكنّه يتعلّق أيضاً بإفتعال مشكلة التمديد للأمين العام لمجلس الوزراء. إذاً يتعلّق الأمر بمحاولة الجنرال التفتيش الدائم عن مشكلة مسيحيّة ـ إسلاميّة، وتحديداً عن مشكلة مسيحيّة ـ سنّية. والعنوانان الآنفان يشيران بدقّة إلى ما يفتّش عون عنه، لأنّه في أسر "حزب الله" لأسباب كثيرة جداً من جهة ولأنه يحاول إستنهاض عصبيّة مسيحيّة خارجَ ميدانها السياسيّ ـ الوطنيّ الفعليّ من جهة ثانية.

وثمّة مَن يقول إنّ للجنرال عون موقفاً سلبيّاً من بند إصلاحيّ مهمّ في قانون الإنتخاب يتعلق بحقّ اللبنانيين غير المقيمين في الإقتراع، أي المغتربين الذين يحتفظون بالجنسيّة اللبنانيّة، وذلك بسبب معطيات وردت إليه عن التغيّر الكبير في "مزاج" الإغتراب اللبناني وتحوّله عنه. وعلى ذمّة "الرواة" أيضاً، فإنّ الجنرال لن يتولّى مباشرة عمليّة التصدّي لهذا البند الإصلاحيّ، و"أولاه" إلى أحد حلفائه. فهل من مثال على "الدونكيشوتيّة" العونيّة "أفظع" من هذا؟.

برّي في جلستين: "الرواق"

وبما انّ ما "إستجرّ" الحديث عن دونكيشوتيّة الجنرال، هو ما حصلَ في الجلسة النيابيّة الأخيرة، فإنّ ثمّة في مواقف الرئيس برّي وأدائه "مستجدّاً" يجدر التوقّف عنده.
عكسَ تصرّف برّي المنفتح على "المخرج" الذي تمّ التوصّل إليه حكمةً لديه. فهو وضعَ نفسه خارجَ "القاعة" وداخلها بعيداً من "الكباش" الذي كان قائماً، وتعاطى بإيجابيّة مع إقتراحات الحلول، ورفض الدخول في معركة خاسرة، وأدّى كرئيس للمجلس.
وإلى حدّ معيّن، تصرّف برّي في جلسات الثقة بالحكومة بنسبة من الإعتدال. تميّز يومَها بسعيه إلى "الترويق" والتهدئة لا "الإثارة" والتحريض و"الحركشة"، داعياً إلى البقاء في مناخ حواريّ مقبول.

هذا الكلام ليسَ للمقارنة بين الرئيس برّي والجنرال "معاذ الله"، ولا لوضع "حنكة" برّي في مقابل "دونكيشوتيّة" عون. إنّه كلامٌ "واجب" عندما يُحسن برّي في ممارسة دوره. وهو كلام "واجب" حتّى عندما يكون الحدثُ مبكراً عن المضامين السياسيّة "العميقة" لما يشير إليه برّي الذي ـ مهما قيل ـ يبقى "علامة" في الحياة السياسيّة والبرلمانيّة.
فهل لهذه الاسباب، كلّف الجنرال أحد المقرّبين منه بمهاجمة برّي في ضوء نتيجة الجلسة النيابيّة، بعدَ أن وجدَ نفسَه وحيداً.. متروكاً؟.

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل