"النصر" ملتبس طالما بقيت "اليونيفيل"
"حزب الله" يعدّ لـ7 أيار جديد.. جنوب الليطاني
يوحي النشاط الأمني والتعبوي المكثّف الذي يقوم به كوادر "حزب الله" جنوب الليطاني بأنهم في صدد إطلاق حملة ضاغطة ميدانياً على قوات الطوارئ الدولية، وقد تتسمّى هذه الحملة "انتفاضة القرى الثانية" (نسبة الى "انتفاضة القرى" التي اندلعت عشية الانسحاب الاسرائيلي في جنوب لبنان عام 1985).
الحجّة في ذلك أنّ "اليونيفيل المعزّزة" بموجب القرار 1701 لا تقف حائلاً دون استمرار الانتهاك الجوي للأجواء اللبنانية من قبل الطيران المعادي، كما أنّها تغض الطرف عن عمليات التوغّل البرّي المحدودة التي رصدها "حزب الله" في الآونة الأخيرة.
الحجّة أيضاً وأيضاً أن قوّات "اليونيفيل" تتجاوز قواعد الاشتباك، وهذه رزمة تهم يستجمعها الإعلام الحربي لـ"حزب الله" يومياً، وتبدأ من تهمة إبعاد الأعلام الحزبية الصفراء عن الخط الأزرق، إلى تهمة تسجيل أرقام السيارات الخارجة والداخلة من وإلى منطقة عمليات "اليونيفيل" جنوب الليطاني، إلى تهمة "التخطيط لتنظيم طلعات جوية"، إلى تهمة "التجسّس على المقاومين" وعلى شبكة منصّات الصواريخ، ووصولاً إلى التشهير بالتعميم اليونيفيلي الداخلي المتّصل بما يتوجب فعله في حال سقوط طائرة إسرائيلية جنوب لبنان، والذي ينص على "الوصول إلى المكان قبل مجيء أي عناصر مسلّحة".
معركة "حزب الله" الآتية هي "على ما يبدو" معركة مع "اليونيفيل" بالدرجة الأولى. وكل ما يقوم به "حزب الله" حالياً وكل ما يقوله مسؤولوه إن باتجاه الداخل أو باتجاه الحدود مسخّر لهذا الغرض. وبذلك نفهم معنى عدم اكتراث وزير الخارجية الفرنسي برنار كوشنير بالتهديدات المتبادلة بين "حزب الله" و"إسرائيل" وقلقه البالغ في نفس الوقت من تجاوز الحرب للحدود.
وكان السيد حسن نصرالله واضحاً في خطابه الأخيرة، إذ دعا إلى تحقيق "نصر واضح" مقرّاً بأن ما سبقه كان نصراً ملتبساً. ما يبحث عنه نصرالله هو "رفع الالتباس" عن "الانتصار الإلهي لعام 2006"، بمعنى تحرير هذا الانتصار من الوضعية الملتبسة للغاية جنوب الليطاني حيث تتعايش السيادة الجوفية لـ"حزب الله" مع السيادتين الفوقيتين للشرعية اللبنانية والشرعية الدولية، ومع الاستباحة الجوية الإسرائيلية للسيادة اللبنانية.
كذلك فإن زيارة العماد ميشال عون للجنوب، وفضلاً عن بعدها الانتخابي الفاقع، اندرجت أيضاً في سياق التعبئة لكي تكون هناك مشاركة مسيحية في "انتفاضة القرى الثانية" التي ستقوم بإقفال طرق ووضع عراقيل أمام تحرّك آليات القوات الدولية.
في حسابات "حزب الله" ورعاته الإقليميين، أنّ الوضع في المنطقة والعالم لا يتطلّب "حرب تمّوز" جديدة، ولا "7 أيار" جديد في الداخل، بقدر ما يتطلّب نوعاً من 7 أيار جنوب الليطاني، أي "عصيان مدني" ضد "قوات اليونيفيل". كما أنّ عودة مناخات "الحرب الباردة" كفيلة بشلّ قدرة مجلس الأمن على الخروج بقرار ولو "تضامني" مع قوات اليونيفيل في هذه الحالة.
وهذا الاتجاه تقوّى في المعادلة الداخلية بشكل كبير عند "حزب الله" بعد 7 أيار بالذات، ليس فقط لأنه مارس مفهومه لـ"العصيان المدني" في بيروت وبعض الجبل، بل أيضاً لأنه خبر ردّة فعل "اليونيفيل المعزّزة" في الجنوب تجاه هكذا أحداث، بحيث أنه جعلها رهينة للوضع المتدهور أمنياً في لبنان، وصار يفرض عليها حمايته.
أياً كانت التقديرات والتحليلات، تدرك "اليونيفيل المعزّزة" أنّ العام الجديد الذي مدّد لها لن يكون بهدوء ما سبقه.
في المقابل، يبقى السؤال: أي معادلة في الداخل اللبناني تحمي المغامرة التي يشرع "حزب الله" في الإعداد لها لتطويق قوات "اليونيفيل"؟
الجواب عن هذا السؤال يتعلّق بالوضع في طرابلس وفي كامل الشمال اللبناني. أو هكذا يستشعر الحراك الديبلوماسي المكثّف باتجاه لبنان. ثمة من يريد أن يصوّر شماليي لبنان على أنهم بمجموعهم "إرهابيّون" لأجل تصوير "جنوبييه" على أنهم، بعد خطبة نصر الله الأخيرة وزيارة عون، مجمعون على فرض "الثلث الضامن" على أجندة قوات الطوارئ الدولية.