الجيش تحت مقصلة السيناريو الذي استهدف "الأمن والمعلومات"
وسلوكية الإسفنجة التي طوّقت "مار مخايل" ظهرت نتائجها في بيروت
اغتيال حنّا: حذف أبرع مدرّب طيران مع وصول "كوبرا"
لم يطلب "حزب الله" من اللبنانيين في ضوء تداعيات تصدي وحدة من الجيش اللبناني لأعمال الشغب في ساحة مار مخايل المتاخمة لذاكرة عين الرمانة التاريخية أن يتريّثوا في تفسيراتهم وأحكامهم، وأن يتحلّوا بالأخلاق الأفلاطونية التي تحول دون "استغلالهم" لما حدث، كما فعل في بيانه الصادر تعليقا على اغتيال النقيب الشهيد سامر حنّا برصاصتي قنص غادرتين، واحدة أصابته في قلبه والثانية فجّرت دماغه.
في ملف مار مخايل كان العكس هو الصحيح. لم يترك "حزب الله" توصيفاً جرمياً إلا وأطلقه على الجيش اللبناني، ولم يستثن تفسيراً سياسياً "تخوينياً" إلا وألصقه بهذا الصدام الدامي الذي بقي مُفجّره ـ قاتل المسؤول في حركة "أمل" ـ مجهول الهوية على الرغم من أنّه معلوم جداً.
ونجحت، يومها حملة "حزب الله" في تحقيق ما صبت إليه، فقيادة الجيش بإحالتها ضباط قادة على التحقيق فالسجن على خلفية إصدارهم أوامر التصدي لأعمال الشغب التي كان يمكن أن تؤدي الى صدام طائفي، تكون قد وافقت على فتح الطريق أمام "حزب الله" ليتصرّف في الشارع على هواه، وهذا ما عاد وظهر جليا، الى حد الفضيحة، في السابع من أيار الماضي وأيام الغزوة التي تلته.
وبالفعل فإن التدقيق في الواقع الميداني بين اضطرابات مار مخايل وبين غزوة بيروت تُظهر أن "حزب الله" نسي "شهداءه الفقراء"، كما أن "جنوده الفقراء" تمكنّوا من أن يكبتوا الغضب الذي كان يتفجّر عصر كل يوم في شارع من شوارع لبنان "الحسّاسة"، وذلك بعدما تمّ الوصول الى ما جرى التخطيط له، فالجيش اللبناني الذي تعهّد التصدي لأعمال الشغب حماية للمدنيين والسلم الأهلي، عاد فحيّد نفسه كنتاج بديهي لمحاكمة كل من تصدّى وأمر بالتصدي.
وإذا كان "حزب الله" قد فعل ما فعله كردة فعل على ما حصل في مار مخايل، فإن دعوته الى إهمال ما حصل في إقليم التفاح على قاعدة وجوب تركه للتحقيق يستحيل أن تستقيم حتى ولو كان هناك شبه بين الحالتين، في حين أن الوقائع المأخوذة من نتائج التحقيق العسكري تؤكد أن المقارنة بين مار مخايل وبين إقليم التفاح، هي كالمقارنة بين وفاة ناجمة عن حادثة صدم وبين وفاة ناجمة عن جريمة قتل عمدية، أي أن الحالة الأولى معزولة عن أي دافع فيما الحالة الثانية كانت إبنة الدافع.
فماذا في الدوافع؟
بطريقة غير مباشرة أقرّ "حزب الله" في بيانه الرسمي بمسؤوليته عن استشهاد النقيب الطيّار سامر حنّا، بعدما كانت مصادره قد قالت بوضوح في اتصال مع موقع "لبنان الآن" الإلكتروني إن الحزب هو من أقدم على إطلاق النار لأن المروحية تجاوزت "الخط الأحمر".
وتبيّن التحقيقات التي قامت بها ثلاثة أجهزة في الجيش اللبناني فور "عملية" إقليم التفاح، أن النقيب حنّا إستشهد بفعل إصابته برصاصتين موجّهتين من بندقية قنص. الرصاصة الأولى في القلب والثانية في الرأس.
وهذا التوصيف لكيفية حصول الوفاة، يؤكد أن النقيب حنّا كان هو الهدف، على اعتبار أن الملازم عبّود والتقنيين الذين كانوا برفقته لم يُصبهم أيّ مكروه لولا الإصابات الناجمة عن تطاير زجاج مروحية "غازال" غير المسلّحة وغير المزوّدة بكاميرات والممهور على ذنبها الطويل رسم كبير لعلم لبنان.
فمن هو، والحالة هذه، النقيب الشهيد سامر حنّا؟
تُفيد "إضبارته" العسكرية أنّه طليع دورته ومتميّز جدا في قيادة المروحيات العسكرية، بحسب شهادات مدارس عالمية متخصصة، وقد اعتمده سلاح الجوّ اللبناني على الرغم من صغر سنّه، وبفعل توصية إختصاصيين دوليين، مدرّبا للطيّارين المنتمين الى سلاح الجو في الجيش اللبناني، وهو لدى استشهاده كان يُدرّب الملازم عبّود، على التحليق والهبوط في المناطق الجبلية الوعرة، وتحديدا في النقطة التي اعتمدتها قيادة الجيش لهذا النوع من التمارين.
وهنا يُطرح سؤال: هل يُعتبر النقيب سامر حنّا حاجة ملحة في هذه المرحلة للمؤسسة العسكرية؟
ويأتيك الجواب القاطع من الوقائع التي لا تزال غائبة عن عموم اللبنانيين. وفي هذه الوقائع تأكيد لبناني لا يرقى إليه الشك بأن واشنطن أبلغت وزارة الدفاع الوطني، قبل مدّة وجيزة، أنّها وافقت على تقديم إثنتي عشرة مروحية من طراز كوبرا الى الجيش اللبناني، وهي ستكون جاهزة للتسليم في الشهر الأخير من السنة الحالية، طالبة من المؤسسة العسكرية أن تُنمّي قدرات طيّاريها الشباب، من أجل أن يتمكنّوا بسرعة من التعامل مع هذا النوع المهم من المروحيات العسكرية. وهذا بالضبط ما كان يتولاه النقيب الشهيد سامر حنّا.
وتأسيسا على هذه المعطيات، يتبيّن أن اغتيال حنّا يكاد يُلامس بمراميه إغتيال الرائد الشهيد وسام عيد الذي كان أبرع ضباط قوى الأمن الداخلي في تقفي الجريمة المنظمة من خلال متابعة الإتصالات الهاتفية والشيفرات الإلكترونية، كما اغتيال اللواء الشهيد فرانسوا الحاج الذي كان مرشّح العماد ميشال سليمان الوحيد لخلافته في منصب قائد الجيش فيما كان العماد ميشال عون يُطالب على سبيل المثال بالعميد شربل برق لهذا المنصب والفريق السوري في لبنان بالعميد مروان بيطار (وهو المطلب الذي تكرّر طرحه، وعيدا وترهيبا، على عدد من المسؤولين المعنيين عشية جريمة إقليم التفاح).
وهذا يعني أن اغتيال النقيب الشهيد سامر حنّا هو أكثر من مجرد رسالة. يكاد يكون جزءا من مؤامرة تستهدف تفريغ المؤسسة العسكرية من طاقاتها الواعدة، كما من ثقة ضباطها بسلامتهم، بعدما ظهر لهم بالعين المجردة أنهم يتحرّكون على أرضية غير آمنة، وفق السيناريو نفسه الذي شلّ الى حد كبير فرع الأمن والمعلومات في قوى الأمن الداخلي بعد محاولة إغتيال المقدم سمير شحادة ومغادرته لبنان الى كندا واغتيال الرائد الشهيد وسام عيد، بحيث اقترن الهجوم السياسي ـ الإعلامي على هذا الفرع بجدية الدماء المسفوكة.
من هنا بالتحديد، تبدو مسؤولية المؤسسة العسكرية ووزير الدفاع الياس المر ورئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان وسائر المسؤولين والقيادات اللبنانية كبيرة للغاية، فإن هم تراخوا وارتضوا بمخرج هدفه حفظ ماء الوجه سيقودون وطنهم لاحقا الى واقع مرير بحيث يأتي اليوم الذي تنتقل فيه الإستراتيجية الدفاعية من مبدأ دمج المقاومة بالجيش الى مبدأ دمج الجيش بالمقاومة.
وفي مطلق الأحوال، فإن جميع المسؤولين من دون استثناء يعرفون أن الطريق التي فتحتها "سلوكية الإسفنجة" في مار مخايل أوصلت البلاد الى السابع من أيّار، ولذلك فهم أمام تحدي معرفة الهدف الذي ستقود إليه الطريق التي فتحتها جريمة إقليم التفاح إن عادوا فرضخوا لـ"سلوكية الإسفنجة" مرة أخرى.