#adsense

“حزب الله” لا يريد للبنان جيشاً قادراً

حجم الخط

"حزب الله" لا يريد للبنان جيشاً قادراً

لم يعد من شك في أن "العناصر المسلحة" التي ارتكبت الاعتداء على الجيش في إقليم التفاح الخميس الماضي فمنعت طوافة من الإقلاع وأردت ضابطاً في سلاح الجو، هي عناصر تابعة لـ"حزب الله".

هذا هو معنى البيان الصادر عن الحزب أول من أمس الذي تحدث عن "حادث مؤسف ومؤلم جداً" وعن "تعاون الحزب مع السلطات القضائية المختصة". وهذا ما يؤكده إقدام الحزب على تسليم أحد عناصره الى القضاء للتحقيق معه.

"ملابسات" و"إلتباسات"… لا خطأ
على أن البيان من ناحية وتسليم العنصر من ناحية ثانية، يفتحان البحث على مصراعيه من زوايا متعددة.

الزاوية الأولى هي أن "حزب الله" يتحدث في بيانه عن "حادث له ملابساته"، ولا يوضح ما هي تلك الملابسات التي تجعل مقاتلين ينتمون إليه يتعرّضون لطوافة عسكرية لبنانية قبل أن تقلع او قيد الإقلاع.. والارتفاع ويقتلون ضابطاً لبنانياً ويوقفون آخر. فأين هو "البعد الاضطراري" للحادث المذكور؟

والزاوية الثانية هي أن "حزب الله" لا يتحدث عن "خطأ" أدى الى ما أدى إليه بل يكتفي بالحديث عن "ملابسات" و"إلتباسات"، لكأنما الالتباس في التقدير أو في التصرّف لا يُعدّ خطأ. وهكذا فإن "حزب الله" يتصرف بوصفه حزباً "معصوماً" عن الخطأ، وهو لا يعتذر عن خطأ لأنه لا يخطىء(!).

ما الذي يخشاه "حزب الله"؟
والزاوية الثالثة هي أن ثمة ما يخشى "حزب الله" التطرّق إليه على ما يبدو من خلال "الحادث". هل كان في صدد "شيء ما" في المنطقة التي حصل فيها الاعتداء على الجيش؟ هل فوجىء عناصره لـ"سبب ما" بوجود طوافة على متنها ضابطان في اللحظة التي جرى فيها الاعتداء؟ هل كان يعد لعملية ما داهمة؟ هل ظن أن المروحية إسرائيلية معادية؟ هل يفضل "حزب الله" استبقاء الغموض لأن قدراً من التوضيح يمكن أن يورّطه في شيء معين أو أن يكشف جوانب لا يرغب في إنكشافها؟

والزاوية الرابعة هي أن "حزب الله" بتسليمه أحد العناصر يحاول حصر إطلاق النار بواحد. و"الأخطر" أنه واكب التسليم بخطاب "حماية سياسية" للعنصر، بحيث صار هذا العنصر ذاهباً الى التحقيق بصفة أقرب الى صفة "الشاهد" لإعطاء إفادته عن "الملابسات" و"الإلتباسات" وبعد ذلك "لكل حادث حديث".

الإعتداء من زاوية العلاقة بالجيش
إن كل الزوايا الأربع الآنفة، تفيد أن ما جرى لم يُختم، وأن البيان والتسليم لا يزالان من ضمن المشكلة وليسا من ضمن الحل.
بيد أن ثمة زاوية خامسة، هي الأهم على الإطلاق، لأنها تضع الاعتداء الأخير على المؤسسة العسكرية في إطار العلاقة "الحقيقية" بين "حزب الله" والجيش، أي أنها الزاوية التي منها يمكن قراءة الاعتداء في ميزان العلاقة بين الحزب والجيش.

محطات من 2006 إلى 2008
خلال السنوات الماضية لا سيما الثلاث الأخيرة، برزت عدة "محطات".
في العام 2006، خاض الجيش "محاولة" لإنهاء المعسكرات المسلحة لفصائل موالية للنظام السوري ولإنهاء تهريب السلاح والمسلحين الى هذه المعسكرات، وهو أمر "كان" يفترض أن بشأنه إجماعاً. لم يخف "حزب الله" آنذاك إمتعاضه، وإعتراضه على تطويق الجيش لمعسكرات "القيادة العامة" و"فتح الانتفاضة"، وتذرّع بأن الموضوع يستلزم حواراً سياسياً مع "أصحاب المعسكرات" وغيرهم، لكنه ـ حتى في ما طرحه ـ لم يلعب دوراً ضاغطاً لصالح الجيش والدولة.

وفي العام 2007، وبعدما صار واضحاً أن عصابة "فتح الإسلام" هُرّبت الى ميخّمات الشمال من المعسكرات السالفة الذكر وعبرها مروراً بمخيمات داخل مناطق نفوذه، إعترض "حزب الله" على تصدّي الجيش للإرهاب في مخيم نهر البارد الذي وصفه بأنه "خط أحمر".

في بداية العام الحالي، وتحديداً في كانون الثاني 2008، حصلت أحداث مار مخايل. بداية هذه الأحداث احتجاج مطلبي في صيغة حرق إطارات وقطع طرقات وضغوط شتى على الوحدات العسكرية المنتشرة في المنطقة لمنعها من القيام بواجباتها لا سيما فتح الطرقات. ونهاية هذه الأحداث عدد من المواطنين القتلى وضحايا من القوى العسكرية. اعترض "حزب الله" وطالب بتحقيق وأرفق طلبه هذا بإنذار من ان الحزب لن يسكت بعد الآن… فكان التحقيق العسكري بنتائجه المعروفة.

في أيار الماضي، ومع قراره تغيير المعادلات السياسية بالقوة المسلحة، أجبر "حزب الله" الجيش على الاختيار بين ظروف غير متكافئة مع الحزب وبين أداء دور لا يشكل حماية فعلية للبنانيين وللسلم الأهلي.

وفوق ذلك، لا بد من التذكير بأن "حزب الله" كان حتى آب 2006 معترضاً على إنتشار الجيش في كل الجنوب وحتى الحدود بدعوى رفضه ان يحمي الجيش الحدود الاسرائيلية (!)، وهو مع موافقته على القرار 1701 ضغط لفرض "قواعد" لتعاطي الجيش معه في المنطقة المنزوعة السلاح جنوب الليطاني وعبّر عن رفضه مرات عدة لخطوات فكّرت "اليونيفيل" في الإقدام عليها لتطبيق القرار الدولي.. واذا به لا يزال موجوداً عسكرياً وأمنياً جنوب الليطاني وشماله وفي مناطق لبنانية عدة.

"الثنائية وأحكامها"
إن ما تسعى هذه المقدمات اليه هو وضع الاعتداء الأخير في إقليم التفاح في سياق العلاقة بين "حزب الله" والجيش.

يكرر "حزب الله" على الدوام تمسكه بـ"ثنائية" بين الجيش و"المقاومة".. وحتى "المقاومة" في شوارع بيروت، ويعلن ان لا استراتيجية دفاعية الا تلك "الثنائية".

هذا في المعلن من المواقف. بيد أن المحطات الآنفة تفيد ان "حزب الله" لا يريد للجيش ان يفرض وجوده، أو ان يسجل انتصاراً يقويه، أو أن تتطور قدراته. ذلك ان التمسك في العلن بـ"الثنائية" يعني بالنسبة اليه في الواقع أن يبقى الطرف الأخر من "الثنائية" ضعيفاً وغير قادر أو أن يبقى موقعه "دونياً" بالنسبة الى موقع الحزب. فلا "ثنائية" عندما يقوى الجيش ويصبح قادراً ومقتدراً، والاستراتيجية الدفاعية تصبح إذذاك محسومة "لـ" الجيش.

"عدائية"
من هنا، ليس دقيقاً تماماً ـ في معرض التعليق على الاعتداء الأخير ـ القول إن "حزب الله" يحاول "ترسيم الحدود" بين دولته والدولة. الصحيح ان حديثه عن "الثنائية" يضمر رفضاً لنهوض الجيش ـ والدولة ـ ومنعأً لأي محاولة لـ"نهضة" الجيش.

ولذلك، وحتى لو كان "التحليل" في شأن الاعتداء الأخير لا يكتمل الا باستعراض كل المعطيات والعوامل، وتوقيت هذا الاعتداء بالصلة مع تقاطعات إقليمية معينة، فان "جريمة سجد" تعكس عدائية من "حزب الله" تجاه الجيش… وكفى…

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل