#adsense

“الخطأ” يزيد مسؤولية “حزب الله” في احترام مرجعية الدولة

حجم الخط

تسليم أحد مطلقي النار يحصر إطار المضاعفات ولا يُلغي الشكوك والمخاوف
"الخطأ" يزيد مسؤولية "حزب الله" في احترام مرجعية الدولة

ساهم تسليم "حزب الله" احد مطلقي النار على المروحية العسكرية في تلة سجد في اقليم التفاح وقتل الملازم الاول في الجيش سامر حنا، الى القضاء اللبناني قبل اقل من ساعة على انعقاد مجلس الوزراء في قصر بعبدا وبالتزامن تقريبا مع تشييع الضابط الشاب في مسقطه تنورين، في احتواء الغضب والنقمة اللذين كانا يتفاعلان لدى غالبية اللبنانيين. لا بل ان هذه الخطوة ساهمت في رسم حدود سياسية للحادث خففت وطأته وحصرته في اطار أضيق وإن تكن لا تقفل الباب على التفسيرات والتأويلات السياسية على نحو كلي، لكنها تلجمها الى حد ما.

وثمة عاملان او ثلاثة عوامل ساهمت ايضا في حصر مناقشة الموضوع في جلسة مجلس الوزراء وعدم استحواذه على الجلسة باعتباره حدثا جللاً وخطراً، هي عدم استفاضة رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان في الكلام على الموضوع بل هو تحدث عنه على نحو مقتضب جدًا. ثم التفسيرات التي قدمها وزير الدفاع الياس المر بناء على التحقيقات الأولية وفيها ان مطلق النار شاب وان المروحية التي كانت تقوم بالتدريبات احتفظت بألوانها الاصلية منذ ما قدمتها الى لبنان دولة الامارات العربية المتحدة ولم تدهن بألوان المروحيات العسكرية اللبنانية، فضلا عن تفاصيل اخرى من مثل ان العلم اللبناني المرفوع على مؤخرة المروحية صغير نسبياً، الى عناصر اخرى تعزز، وفق التحقيقات الاولية على الاقل، نظرية الحادث غير المتعمد. أما العامل الثالث فكان موقف وزير "حزب الله" محمد فنيش الذي استنكر الحادث مؤكدا ان الحزب يرفضه، خصوصا ان لا مصلحة له في حصوله او في اي حادث من هذا النوع. وقد أخذ هذا الموقف بالجد والتقدير، وخصوصا ان المصلحة كما يراها جميع الافرقاء تقضي بتخفيف وطأته وعدم تفاعله او بالاحرى حصر تفاعلاته والسعي الى معالجته بهدوء ومع القضاء.

لكن كل هذا لا يلغي او يجب الا يلغي اسباب توقيف الجهاز الامني للحزب الضابط المرافق للضابط الشهيد واستجوابه او التحقيق معه، وهو امر أكدته معلومات متقاطعة، بما يشكل مادة للبحث ابعد مما قدم الى القضاء على نحو فوري لاستيعاب نتائج الحادث. كما انه لا يلغي التشكيك الموضوعي في صحة ما قدم من معلومات على خلفية اقفال الاستثمار او التوظيف السياسي ومنع تفاقم الامور.

ولكن تبقى شكوك في حقيقة وجود نية لدى الحزب لرسم "خطوط حمر" لمناطق نفوذه، وخصوصا انه اجتاح بيروت بذريعة حماية شبكة اتصالات لم يعرف او يتعارف يوما عليها على انها من اسلحة "حزب الله" أو قطاعاته المحمية.

وثمة تساؤلات عن طبيعة التفاهمات التي تجري بين الجيش و"حزب الله" في الجنوب والتي جنّبت في الماضي وقوع حوادث مماثلة، وفشل هذه التفاهمات او التنسيق كما سرب بعضهم.

وهناك من يتساءل عما اذا كانت مرجعية الدولة هي التي تسري في الجنوب وفي منطقة سيطرة الحزب، أم ان هناك مناطق محظورة عليها وخصوصا ان احدًا لا يستطيع الجزم ان هذا الحادث، حتى مع التسليم بانه وقع خطأ ومن دون خلفيات سياسية او سوى ذلك، لن يشكّل عائقًا امام قيام الجيش مجددًا بمهمات مماثلة في هذه المنطقة او جوارها، باعتبار انه ربما فهم رسالة ما مباشرة او غير مباشرة والتزمها.

ومن المهم والمفيد جداً ان يظهر "حزب الله" التزامه مرجعية الدولة على كل اراضيها وعدم وجود مناطق محظورة على الجيش، باعتبار ان غالبية كبرى من اللبنانيين تعتبره مسؤولاً عما اصاب الجيش من ضعف في هيبته نتيجة ما حصل في حوادث في احداث مار مخايل ثم في اجتياحه بيروت في 7 ايار الماضي واضطرار الجيش الى الوقوف على الحياد.

وبالنسبة الى مراقبين سياسيين وديبلوماسيين، لا يؤدي اقفال الجدل على التفسيرات السياسية لهذا الحادث الى تجاهل جملة وقائع تساهم في اذكاء التفسيرات وتبررها بقوة. ومن هذه الوقائع ان الاعتداءات المتكررة التي تعرض لها الجيش منذ حوادث نهر البارد أقله وصولا الى اطلاق النار على المروحية العسكرية، تساهم جميعها في اضعاف الجيش وانهاكه معنوياً قبل انهاكه مادياً بما يشل قدراته على التحرك. وحيال الحاجة الماسة اليه في طرابلس من اجل توسيع انتشاره وضبط الارض لا بد من نقل وحدات منه الى هذه المنطقة من الجنوب حيث يتولى الأمن جنبا الى جنب مع القوة الدولية العاملة هناك.

واخيراً، اذا كان الحادث حصل خطأ، فيتعين على "حزب الله" ان يوضح ان تعامله مع القضاء اللبناني يتخطى اطار استيعاب المشكلة او احتوائها، وهذا ما ينطبق على المسؤولين الكبار والسلطات المعنية لئلا يكون الانطباع "بلفلفة" الموضوع مع الحرص على تطويق مفاعليه السياسية فعليا.

ويعتقد بعضهم ان الحادث الخطأ ربما يدفع الحزب الى التفكير جديا في قواعد للتعامل مع المؤسسة العسكرية تحترم هامش تحرك الجيش خصوصا مع تسلم قائد جديد زمام الامور وفتح صفحة جديدة قديمة من التعامل مع المؤسسة العسكرية في انتظار ان يحسم الامر على طاولة الحوار المنتظرة.

المصدر:
النهار

خبر عاجل