درس في الجغرافيا
يوهمنا التاريخ انه تقاعد. وانه اختار الاقامة الاخيرة في المتاحف. وتحت غبار السنين. او في الكتب المدرسية. وتوقف عن تصدير المتاعب. او ترويج الاحلام او الاوهام. التاريخ دجال. يتسلل عبر الاغاني العتيقة. عبر روايات الجدات. والاعياد الوطنية. يتظاهر بالموت لكنه ينقل جروحه وندوبه وصيحات الثأر الى اجيال جديدة.
لا يمكن الركون دائما الى طبيب اسمه الوقت حتى ولو صحت علاجاته احيانا. بعض المشاعر تكمن طويلا لتتحين فرصة الاستيقاظ والثأر. المشاعر القومية المهانة. التطلعات الوطنية المقموعة. معاناة الطوائف والمذاهب والاتنيات والاقليات والثقافات المهددة. ينام التاريخ كما تخمد البراكين طويلا ثم تعود فجأة الى تصدير الحمم والرماد.
مقلق ان يستسلم الحاكم للتاريخ. وان يتبنى حروبه التي لم تستكمل. وعداواته التي لم تندمل. لكن الحاكم لا يستطيع ايضا ان يتجاهل التاريخ. ان يتجاهل دروسه وعبره. ويمكن القول إن التحايل على التاريخ ممكن الى حد ما. يمكن التشاطر عليه بشيء من التجميل في الروايات او القراءات او التفسيرات. المشكلة في الجغرافيا.
الجغرافيا قدر. لا يمكن التلاعب بالجبال او الصحارى ولا يمكن نقل البحار وابعاد المضائق. وبهذا تستطيع الدول انتقاء بعض تاريخها لكنها لا تستطيع غير التسليم بالجغرافيا. لو كان لبولندا خيار لما جلست حيث تقيم ولما عانت ما عانت. الأمر نفسه بالنسبة الى بلدان كثيرة. الجغرافيا تختار لك جارك. وعليك ان تتعايش معه على رغم مرارات التاريخ ونزاعات الحاضر.
كنت في المقهى في بيروت. وكنت عائدا للتو من لقاء مع الرئيس محمود عباس. وقلت اتخيل حوارا صريحا في خلوة بين عباس والرئيس ميشال سليمان. فللرئيس الفلسطيني تجربة غير بسيطة في الحوار الفلسطيني – الفلسطيني. وهو في المناسبة حوار جوال طاف عواصم قريبة وبعيدة ثم انتهى بالطلاق بين غزة والضفة. واعتبرت انه قد يكون لدى الرئيس سليمان ما ينصح به ضيفه في ضوء طاولات الحوار اللبنانية القديمة والمقبلة. وربما كان لديه ما يقدمه بالنسبة الى تجربة حكومة الوحدة الوطنية الغراء. لكن وجدتني فجأة افكر في رئيس بعيد هو ميخائيل ساكاشفيلي.
أعجب كثيرون بالرئيس الجورجي الوافد من جامعة كولومبيا. رئيس حضاري اطربته «ثورة الورود» وشهادات حسن السلوك الغربية وآمال العولمة. غرف من التاريخ وذهب بعيدا. اراد ان يحمل بلاده الى عالم آخر. حلم بالنوم تحت خيمة حلف شمال الاطلسي وتوهم ان مشاعر التعاطف الغربية قابلة للترجمة على الارض. تجاهل الاشارات التي ارسلها «فلاديمير الكبير» وحاول استعادة الاقاليم المتمردة بالقوة. اصطدم بالجغرافيا وكان الصدام مدويا. عاد مهزوما. الاقاليم المتمردة ازدادت ابتعادا والحلم الاطلسي ازداد صعوبة وبدا التعاطف الغربي مجرد ضمادات وبطانيات وخيام للنازحين.
فجأة تذكر العالم ان «الجيش الأحمر» استعاد أنيابه. وان «روسيا الكبرى» لا تقبل بهجرة بعض جيرانها الى حلف الاطلسي. وانها لم تنس ما حل بصربيا. واصرار ادارة بوش على دعم استقلال كوسوفو فضلا عن الدرع الصاروخية. اغتنمت روسيا غلطة ساكاشفيلي لتثأر من الاذلال الذي تعرضت له منذ غياب الاتحاد السوفياتي عن الخريطة.
من المبكر الجزم بعودة الحرب الباردة. او بقيام عالم متعدد المراكز. لكن الأكيد هو ان روسيا هزت المشهد الدولي بعنف. ولا غرابة في ذلك. فحين تغزو الولايات المتحدة ومن دون سبب مقنع العراق البعيد عنها تعتبر روسيا ان من حقها ان تفرض سيطرتها قرب حدودها، حيث تلتقي حسابات الأمن بحسابات انابيب النفط والغاز.
واللعبة خطيرة تماما، خصوصاً اذا انتزعت روسيا لنفسها حق حماية عشرين مليون روسي يعيشون في الدول التي كانت منضوية في الاتحاد السوفياتي.
تذكرت انني في بيروت. وان هناك من يستحضر التاريخ وينسى الجغرافيا. ومن يعشق الجغرافيا وينسى التاريخ. وان مهمة ميشال سليمان شاقة بين الفريقين. وان فؤاد السنيورة يعاني من هبوط علاماته في الجغرافيا. وان وليد جنبلاط يبدو كمن تذكر دروسها. وان سمير جعجع يفضل التاريخ. وان الرئيس نبيه بري لا يخطئ في قراءة الخريطة. وان العماد ميشال عون غادر الى المنفى استاذا في التاريخ وعاد منه استاذا في الجغرافيا.