#dfp #adsense

لبنان: السلطة والمصالحة الكبرى

حجم الخط

لبنان: السلطة والمصالحة الكبرى

اكتمل «نصاب» هيكل السلطة في لبنان، شكلاً على الأقل. فتح المجلس النيابي أبوابه لأعضائه، وأنتخب رئيس جديد للجمهورية، وشُكلت «حكومة وحدة وطنية»، ومُلئت شواغر اساسية اهمها قيادة الجيش. لكن قدرة هذا الهيكل على العمل، واستعادة مرجعية الدستور والقوانين، هي التي ستحدد القدرة على الانتقال من هيكل السلطة الى هيكل الدولة.

ويبدو حالياً أن ثمة شكوكاً تحيط بهذه القدرة، نظراً الى التحديات الكبيرة التي تحول دون استعادة الدولة.

وإذا كان سلاح «حزب الله»، وممارساته السياسية، من الذرائع الأكثر بروزا للعيان، فإن الدولة تواجه ايضا حالات كثيرة، ومتعددة المصادر، تماثل التحدي الذي يطرحه «حزب الله».

جوهر هذا التحدي ان الشرعية لا تملك اي قدرة على التحكم بقوة مسلحة تجند وتعبئ وتدرب وتمارس العمل العسكري، ولأهداف لا تتطابق بالضرورة مع خطة الدولة. وُطرحت مشكلة هذا السلاح عندما انقسم الرأي العام والمجتمع الاهلي في شأنه، وليس عندما طالبت الدولة باستعادة حقها بالاشراف على أي قوة مسلحة في البلد.

وتفاديا لمزيد من الانقسام والتدهور واحتمال الانزلاق الى مواجهة أهلية، كما حصل في بداية الحرب الاهلية العام 1975، جاءت فكرة وضع استراتيجية الدفاع الوطني. وفي انتظار الحوار في شأن هذه الاستراتيجية، والذي لا يؤمل بأن يصل الى نتيجة جدية قبل الانتخابات البرلمانية المقررة في الربيع المقبل، تطرح على الدولة في أماكن أخرى من لبنان تحديات التعايش مع تناقضات اهلية يحكمها واقع وجود السلاح.

والجذر الاساسي لكل هذه التعقيدات هو ان السلطة المنبثقة من اتفاق الطائف لم تستطع، ولأسباب شتى وليس فقط بسبب الوجود السوري، ان تحمي الدولة ومصالحها، سواء في التعامل مع الاحتلال الاسرائيلي وتشعباته الداخلية او في ادارة شؤون البلاد من تنمية واقتصاد وتعليم الخ… فكان ضعفها دافعا الى قيام اطراف اهلية اخرى بإدارة شؤون انفسهم، بما كرس نوعا من «حكم ذاتي» لكثير من القوى والاطراف في أكثر من منطقة. وباتت معالجة أي مشكلة تخضع لاعتبارات كثيرة ومعقدة، لكن اياً منها لا يرتبط بالمصلحة العليا للوطن والدولة.

وكان فاقعا، خلال احداث أيار (مايو) الماضي وما تلاها من مواجهات في طرابلس والبقاع، ان اداة حفظ الأمن في يدي الدولة كانت معطلة، وغير قادرة على التدخل، واحيانا جرى الطعن في حيادها. وفي كل من هذه المواجهات، لم يكن للدولة أي دور في وقفها، وانما اقتصر دورها على الموافقة على ما يتوصل إليه «العقلاء» من الاخصام المتواجهين. وهي اتفاقات بالضرورة هشة، لانها لا تستند على اساس صلب وواضح وبسيط: واجب الدولة الأساسي ان تمنع استخدام السلاح في نزاع سياسي داخلي.

والخطورة الآن هي في تكريس هذا التقليد الذي يمنع عن السلطة حقها في تطبيق القانون لجهة استخدام السلاح، وواجبها بتأمين الضمانات لعدم التعرض للاعتداء. وفي التخلي عن دور قمع اللجوء الى السلاح الى هيئات «ما قبل دولتية» من وجهاء طوائف ورجال دين. واليوم، عندما يضطر الجيش والقوى الامنية الاخرى، الى الانتشار في كل المناطق اللبنانية، اضافة الى الجنوب حيث تحديات من نوع آخر، ومن دون ان يتمكن من اخماد «بؤر الاشكالات»، فإن ذلك يعني ان ثمة خللاً كبيراً في عمل السلطة وفي النظرة إليها. ومن هذا الخلل تخرج كل شياطين القلق والخوف والتدخل الخارجي. ومع كل «إشكال»، مهما كان صغيرا وفي أي حي من احياء المدن اللبنانية، يطرح السؤال الكبير عن الانفجار الكبير.

يقدم سلاح «حزب الله» وسياسته الذريعة، لكن القوى الأخرى بما فيها المنتقدة لهذا الواقع تتعامل مع السلطة والدولة بمنطق مماثل. وما دامت الأمور كذلك، من المستبعد ان يتصالح اللبنانيون مع بعضهم بعضا، لأن المصالحة الكبرى هي الاعتراف بمرجعية الدولة الواحدة.

المصدر:
الحياة

خبر عاجل