بعدما تحوّل الأمن هاجس الدولة واللبنانيين
هل يوضع حد لانتشار السلاح خارج الشرعية؟
بعد تعيين العميد جان قهوجي قائدا للجيش وترقيته الى رتبة عماد، وبعد حادث استشهاد الضابط الطيار سامر حنا وقبله اغتيال عدد من العسكريين بتفجير حافلة للركاب في طرابلس، يتساءل اللبنانيون هل يصبح القرار والإمرة للدولة وحدها ولا شريك لها فيه، فلا يبقى سلاح غير سلاحها ولا سلطة غير سلطتها ولا قانون غير قانونها ولا منطقة في لبنان يحظر عليها دخولها، ولا يبقى الامن ايضا خاضعا لسياسة التراضي او التغاضي، بل لسياسة القوة في مواجهة القوة، ولا يساوي موقف الدولة بين المعتدي والمعتدى عليه فتقف منهما على الحياد… لئلا يصبح كل لبناني مضطرا الى اقتناء السلاح للدفاع عن نفسه عندما تعجز الدولة عن الدفاع عنه.
تقول أوساط سياسية ان الامن كان هاجس كل عهد وهاجس كل لبناني، يقدم الاهتمام به على كل أمر آخر، إذ من دون أمن لا اقتصاد ولا ازدهار ولا استثمار، ومن دون قوى أمنية وعسكرية تحفظ الامن وتحافظ عليه لا دولة ولا مؤسسات ولا سلطة تحكم ولا قوانين تطبق.
لذلك، قال الرئيس الياس سركيس في مستهل عهده: "ان الامن قبل الرغيف وان الوفاق الوطني يشكل قوة مئة الف جندي. لكن هذا الوفاق لم يتحقق، فلم يكن أمن في البلاد لأن السلاح غير الشرعي الذي كان منتشرا في أيدي الاحزاب والميليشيات، كان يفوق عدداً وقوة السلاح الشرعي.
وعندما اجتمع الرئيس اللواء فؤاد شهاب على الحدود اللبنانية – السورية بالرئيس جمال عبد الناصر، كان الامن هاجسه الأول اثر حوادث 1958، فاستطاع بدعم من الرئيس المصري واطلاق يده في الداخل اللبناني، أن يحفظ الامن ويحافظ عليه في كل البلاد فكان عهده عهد أمن واستقرار ولو على حساب بعض الحريات العامة. وكان الرئيس شهاب يرد على من يأتون اليه شاكين من تصرفات بعض عناصر ما كان يسمى "المكتب الثاني"، "ان هذه العناصر تتعامل مع زعران وليس مع أوادم، لأن الازعر لا يفهم إلا بلغته، والآدمي لا يتصرف إلا بحسب القانون".
وعندما أصبح السلاح غير الشرعي في أيدي اللاجئين الفلسطينيين في لبنان وفي أيدي الاحزاب والميليشيات اللبنانية كانت الحروب الداخلية التي استمرت 15 سنة، لأن القوى الامنية والعسكرية كانت عاجزة عن وقف هذه الحروب وانقسمت تاليا على نفسها فسادت شريعة الغاب وحكم الدويلات. وكان لا بد من الاستعانة بقوات سورية لوقف الاقتتال في لبنان بموافقة عربية ودولية وعدم اعتراض اسرائيلي. واستطاعت هذه القوات ان تفرض الأمن، لكنها لم تعمل على اقامة الدولة اللبنانية القوية القادرة كي تستطيع فرض الأمن بواسطة قوتها الذاتية ومن دون مساعدة أي قوة مستعارة، فلا يظل لبنان في حاجة ماسة ودائمة الى قوة مستعارة هي القوات السورية.
الوصاية السورية لم تنفذ الطائف
لذلك، فان الوصاية السورية على لبنان والتي دامت ثلاثين سنة، لم تنفذ كل ما نص عليه اتفاق الطائف كي تقوم الدولة اللبنانية القوية التي لا تحتاج الى وصاية أحد. فلا اللامركزية الادارية الموسعة طبقت، ولا الانتخابات النيابية أجريت على أساس تقسيمات تؤمّن صحة التمثيل لشتى فئات الشعب، بل جاءت مخالفة للطائف. ولم تنبثق منها مجالس نيابية تمثل ارادة الشعب تمثيلا صحيحا وخصوصا انتخابات 1992 التي قاطعها 85 في المئة من الناخبين. كذلك لم تلغ الطائفية السياسية، ولم ينتخب مجلس للشيوخ، ولم تنفذ الخطة الامنية من أجل بسط سلطة الدولة على كامل الأراضي اللبنانية بواسطة قواها الذاتية، ولم تحل الميليشيات غير اللبنانية بعد حل الميليشيات اللبنانية وتسليم أسلحتها الى الدولة، بل أبقي السلاح لأهداف وأغراض سورية في أيدي المنظمات الفلسطينية داخل المخيمات وخارجها، فكانت شريكة مع الدولة في الحكم وفي اتخاذ القرارات التي تعيشها خلال عهود، لا بل كانت هذه المنظمات هي التي تتخذ وحدها القرارات متعدية على حقوق السلطة اللبنانية وصلاحياتها وسيادتها، على رغم توقيع "اتفاق القاهرة" الذي لم تحترم المنظمات أحكامه كاملة، ومع ان فوضى السلاح، ولا سيما في أيدي المنظمات الفلسطينية، كان من أسباب دخول القوات السورية لبنان لوضع حد لها ووقف الاقتتال. وقد حرصت الوصاية السورية على ابقاء السلاح داخل المخيمات بعدما أخرجت الفلسطينيين المسلحين الى تونس، كي يعطي هذا السلاح مبررا لبقاء القوات السورية في لبنان حاجة ماسة للأمن فيه، على رغم أن اتفاق الطائف نص على خروجها من لبنان في فترة زمنية أقصاها سنتان…
واذا كان الرئيس الياس الهراوي كان يرى أنه استطاع خلال عهده ان يعيد "الجمهورية من الدويلات الى الدولة" كما جاء في كتابه، فانه يُخشى في حال استمرار الوضع الراهن وانتشار السلاح بكثرة خارج الشرعية وخصوصا في أيدي "حزب الله" ان تعود الدويلات الى الدولة ولا تبقى جمهورية… فما من عهد انتشر فيه السلاح خارج الشرعية الا وسقطت فيه الدولة وقامت الدويلات. وما من عهد استطاع ان يحفظ الامن بقواته الذاتية عندما تكون الى جانبه ميليشيات مسلحة، وهو الوضع الذي يعانيه لبنان اليوم. هذا وضع يؤكد قول المسؤول الاميركي السابق ادوارد لوتفاك: "ان لبنان دولة وهمية وهو ليس بمجتمع سياسي ولن يقوم فيه سلام أبدا، وليست فيه أمة واحدة بل أمم عدة والعمل على جمعها بالقوة لا ينجح الا اذا وجد من يقوم بدور الشرطي لإرغامها على البقاء".
الواقع ان هذا الشرطي كان المتصرف العثماني في زمن المتصرفية، ثم كان الشرطي الفرنسي في عهد الانتداب، ثم الشرطي السوري في عهد الوصاية، فضلا عن مشاركة الشرطي الفلسطيني والشرطي الاسرائيلي السلطة اللبنانية في بعض العهود. فمن ترى يكون الشرطي الجديد لإرغام اللبنانيين على البقاء، اذا ظلت الدويلات أقوى من الدولة، والسلاح خارج الشرعية أقوى من سلاح الشرعية؟!