مَنْ يتخلى عن مَنْ، لبنان أم أميركا؟
يعرف المسؤولون في ادارة الرئيس جورج بوش المشارفة ولايته الانتهاء ان المواجهة التي تخوضها معه ومع بلاده في الشرق الأوسط بل في العالم الاسلامي وربما لاحقاً في العالم كله الجمهورية الايرانية وكذلك سوريا بشار الاسد سواء مباشرة أو بواسطة حلفائهما الاقليميين من لبنانيين وفلسطينيين واسلاميين سنة وشيعة وارهابيين – يعرف هؤلاء ان هذه المواجهة تهدف الى اخراج اميركا من الشرق الاوسط بل من العالمين العربي والاسلامي مصالح وقوة وقيماً وعسكراً اذا لم يكن ممكناً التوصل معها الى تسوية تكون فيها ايران شريكاً لها مثلما هي اسرائيل وكذلك تركيا العلمانية وربما تركيا الاسلامية لاحقاً. لكن المسؤولين انفسهم يعرفون واستناداً الى عدد من الخبراء والمتابعين الجديين في واشنطن ان ادارة بوش لن تسمح لايران الاسلامية ولسوريا بشار الاسد بالنجاح في تحقيق الهدف المفصل اعلاه. ويؤكدون في الوقت نفسه ان ذلك ليس موقفاً لجورج بوش فقط وانما للولايات المتحدة وتحديداً للمؤسسة الاميركية التي تسمى عادة الـ"استابلشمنت". وهذا يعني ان الادارة التي ستخلف ادارة بوش في اواخر كانون الثاني المقبل، سواء كانت امتداداً للاخيرة او نقيضاً لها في ظل فوز ديموقراطي في الانتخابات الرئاسية، لن يكون لها موقف مختلف ولا أهداف مختلفة ولا مصالح مختلفة. وربما يدخل المسؤولون الجدد بعض التغيير على التكتيك وعلى الاساليب وبعض التفاصيل على الاهداف لكن ذلك لن يؤدي مطلقاً الى تناقض يدفع ثمنه الاميركيون بل وطنهم كما يحصل عادة في العالم الثالث المتخلف الذي صار لبنان، ويا للاسف الشديد، جزءاً اساسياً منه.
ماذا يعني ذلك تحديداً؟
يعني ودائماً استناداً الى المتابعين والخبراء انفسهم ان اميركا لن تنسحب من المنطقة وتتخلى عن مصالحها ونفوذها ووجودها السياسي. اما وجودها العسكري فالحاجة وحدها هي التي تقرر مصيره. ذلك انه ليس هدفاً في ذاته بل وسيلة ولذلك فإنه ينتهي بانتفاء هذه الحاجة. ولا يقلل من هذا التصميم في الموقف الاميركي التعثر أو بالاحرى الاخفاقات التي اصيبت بها اميركا في السنوات الخمس الاخيرة في العراق وفي لبنان وفي المواجهة مع ايران الاسلامية وكذلك مع سوريا بشار الاسد. كما لا يقلل منه ازدياد الصعوبات الاميركية – الاطلسية في افغانستان، وخصوصاً بعدما التقت مصالح ايران وروسيا على استخدام الاصولية الاسلامية السنية المتشددة للضغط على اميركا بوش وخصوصاً بعدما بالغت في محاولة تطويق روسيا بعد انهيار الاتحاد السوفياتي وقررت عدم مهادنة النظام الاسلامي الايراني وتمكينه من الحصول على قوة غير تقليدية تجعله في غير حاجة الى ضمان من الخارج وفي منأى عن اي تهديد من الخارج كما يجعله هو نفسه مصدر تهديد للخارج الاقليمي والدولي وفي مقدمه الخارج الاميركي.
ما هي انعكاسات موقف كهذا على لبنان الذي يعيش ظروفاً صعبة جداً بل مخاضاً لا يعرف اللبنانيون اذا كان ينتج بلاداً قابلة للحياة أو "طرحاً" بلا روح؟
يفترض ان تكون هذه الانعكاسات ايجابية في رأي المسؤولين الاميركيين واستناداً الى الخبراء والمتابعين انفسهم. ذلك ان اللبنانيين كانوا بدأوا يخشون منذ مدة، اي منذ اقتراب الرئيس بوش من مغادرة البيت الابيض، بل منذ تقرير بايكر – هاميلتون (الجمهوري – الديموقراطي) الذي دعا الى الحوار مع سوريا وايران، واعلان مرشحي الرئاسة الاميركية وتحديداً الديموقراطيين استعدادهم لحوار كهذا – كانوا بدأوا يخشون ليس فقط تخلي اميركا عن بلادهم بل عن دعم استقلالها وسيادتها واقامة الدولة الديموقراطية فيها بل ايضاً مبادرتها الى التفاهم مع الذين عطلوا انجاز هذه الاهداف اللبنانية وفي مقدمهم دمشق وطهران عبر حلفائهم اللبنانيين. وهذه الخشية ليست في محلها، ذلك ان اميركا المقبلة سواء كانت ديموقراطية أو جمهورية ستستمر في دعم لبنان وتقوية مؤسساته وتسليح جيشه وقواه الامنية ومساعدة اقتصاده ومجتمعه المدني وفي مساعدته على مكافحة الارهاب بشقيه. علماً ان ذلك لا يعني عدم الحوار مع سوريا وايران او مع احداهما والتوصل الى تفاهم معهما او مع كل منهما او مع واحدة منهما. وان تفاهماً كهذا لن يكون على حساب لبنان وان ناط بلبنان تأمين مصالح هاتين الدولتين بنفسه او عدم تهديدها.
هل الايجابية المشروحة اعلاه في محلها؟ وهل الموقف الاميركي العام المفصل اعلاه في محله ايضاً؟
جواباً عن السؤال الأول يمكن القول بالنسبة الى مساعدة لبنان الدولة والمؤسسات ومنها الجيش ان القضية ليست ا ميركا بل لبنان بدويلاته الرسمية ودويلاته السياسية والعسكرية والميليشياوية التي هي قيد التكوين. فهذه الدويلات تعني ان لبنان ليس موحد القرار السياسي على المستوى الرسمي وليس موحد القرار العسكري والتنفيذ العسكري وانه مفتوح على كل انواع التدخلات، وذلك لا يضمن اولاً انه يستطيع قبول المساعدات "المدنية" او ان يستعملها بالطرق الصحيحة. ولا يضمن ثانياً انه يستطيع قبول المساعدات العسكرية واستعمالها في تنفيذ سياسة الدولة وليس للمس باطراف معادين لها أو للدولة المانحة لها أو لحلفائها. هذا فضلاً عن ان المعادين لاميركا في لبنان سواء بسبب تحالفاتهم الاقليمية او ايديولوجياتهم الدينية او بسبب مظالم اسرائيل للعرب وخصوصاً الفلسطينيين على مدى عقود يجهرون ان هدفهم هو اخراج اميركا من لبنان. وهم أقوى من الدولة سياسياً وعسكرياً. وطبيعي ألا يشجع ذلك اميركا على المساعدة كما يريد بعض اللبنانيين ولا سيما منهم الذين لا يقومون بدورهم الوطني او يقومون بجزء منه لكنهم يطلبون دائماً من الخارج ان يقوم بكل شيء عنهم ومجاناً اي من دون مقابل.
أما السؤال الثاني فإن الجواب عنه اسهل وهو ان اللبنانيين يعرفون أن اميركا واي دولة عظمى اخرى لن تتخلى عن نفوذها ومصالحها في مناطق معينة مهمة لها في العالم. لكن ذلك لا يعني عدم التخلي، في المطلق طبعاً، عن جهات تحالفت معها ولم تكن على قدر الوفاء بموجبات التحالف او لم تمكنها ظروفها من الوفاء بها، وانتهاج سياسات تحمي المصالح الحيوية والاستراتيجية التي لها الاولوية وان على حساب المبادئ والقيم (ديموقراطية – حقوق الانسان) التي تبقى اولوياتها عند "المؤسسات الاميركية" واي مؤسسة عظمى في العالم او كبرى اعلامية وليست فعلية.