لو كان الإمام بيننا…
يُدرك اللبنانيون، سنة بعد سنة، فداحة الخسارة التي أصابت الوطن بسبب جريمة تغييب الإمام موسى الصدر، وهو في ذروة تصدّره لمسيرة النهوض الوطني والإنمائي، التي حاولت الحفاظ على مقومات الدولة والمؤسسات، في مرحلة كانت قواعد الوحدة الوطنية معرّضة للاهتزاز والانهيار، تحت ضغوط المعارك المشتعلة في الداخل، والحروب الباردة الدائرة في محيطنا في الخارج·
وإحياء ذكرى <إمام العيش المشترك> ليس واجباً حزبياً تقوم به حركة <أمل> التي أسسها موسى الصدر لتضم أفواج المقاومين اللبنانيين إلى جانب إخوانهم الفلسطينيين، بقدر ما هو مسؤولية وطنية تعني اللبنانيين المؤمنين بالمبادئ السامية والقيم الوطنية التي حملها الغائب الكبير، والذي قد يكون بذل روحه ودماءه دفاعاً عنها·
ولعل الذين عايشوا انطلاقة مسيرة الإمام الصدر، وأتيحت لهم فرص التحاور معه حول رؤيته وآماله، بل وأحلامه النهضوية الطموحة، يدركون أكثر من غيرهم مدى حاجة لبنان إلى فكر الإمام المغيّب الذي جعل من الوحدة، وحدة الشيعة، وحدة المسلمين، وحدة اللبنانيين، وحدة لبنان: الدولة والشعب والمؤسسات، هي المنطلق··· وهي الهدف لحركة التغيير التي أطلقها من بقاع الحرمان إلى كل منطقة وقرية ودسكرة هيمن عليها الحرمان والتخلف في لبنان·
* * *
لم يكن موسى الصدر مذهبياً، ولا كان يوماً طائفياً، وكان محور حركته الناشطة وطنياً، وكان في طليعة الداعين إلى صون الأواصر التي تجمع بين العروبة والاسلام، بعيداً عن شطط أدعياء القومية، وبمعزل عن تزمّت المتطرفين في فهم تعاليم الدين الحنيف·
لقد عمل الإمام الصدر على مدى عقد ونصف من الزمن، على تصحيح ميزان التوازن الداخلي بالكلمة الطيبة، والدعوة الصادقة للجميع للمشاركة في إصلاح الخلل في النظام السياسي، واستطاع استقطاب حوارييه من كل الطوائف اللبنانية، ومن معظم الاتجاهات السياسية التي توزعت بين يمين ويسار، قبل أن تنزلق الأمور إلى الدرك الذي وصلت إليه بعد غيابه·
وفي الملمات الصعبة يحضر فكر الإمام الغائب عند بعض من عاصروه عن قرب، وغالباً ما يكون مفتاح الحديث السؤال التقليدي: ماذا لو كان الإمام بيننا؟! ثم تكرّ سبحة الأحداث والتطورات التي تؤكد مدى الحاجة إلى قادة ورجال من حجم الإمام موسى الصدر: من تحريك الفتن، إلى التراشق السياسي، إلى تدني مستوى الخطاب الوطني، إلى استخدام السلاح ضد الأخ والشريك في الوطن والمصير، إلى استهداف الجيش وتعطيل دوره الوطني، إلى تقديم الحسابات الحزبية والفئوية على المصالح العليا للوطن، إلى التهديد باستخدام القوة لحسم كل شاردة وواردة في التنافسات السياسية التي تبقى من صميم النظام الديمقراطي في البلد·
* * *
لو كان الإمام بيننا··· ما كان يتأخر لحظة في السعي الجدي والحاسم لبلسمة جراح بيروت، وإزالة آثار ما حدث في أيار الأسود من الشوارع··· ومن النفوس، لأن القائد الكبير كان من المبشّرين بوحدة المسلمين كأساس لا غنى عنه لوحدة اللبنانيين·
وكان صاحب الصرخة العالية في استنكار ما جرى لسيدة العواصم في بدايات حرب السنتين من دمار لشوارعها، ونهب لمؤسساتها، ومعارك عبثية بين مناطقها، وكان اعتصامه الشهير في جامع الكلية العاملية بمشاركة شخصيات ومفكّرين من مختلف الطوائف بمثابة وقفة وطنية جامعة، في وقت كانت مخططات التخريب تعمل على تغذية الانقسامات بين أبناء الوطن الواحد·
لو كان الإمام بيننا··· ما كان ليبقى ساكتاً ومتفرجاً على ما يجري بين أبناء المدينة الواحدة، وجيران الحي الواحد في طرابلس، لأنه كان يعتقد دائماً أن شرارة الفتنة لا تُهدد فقط مكان انطلاقتها، بل تنتشر مثل النار في الهشيم إلى مناطق أخرى تكون يد الشر قد سبقتها إليها·
لو كان الإمام بيننا··· لكان في طليعة العاملين والداعين إلى تطويق حادثة إطلاق النار على المروحية العسكرية في سجد وذلك بالدعوة إلى التحلي بالشجاعة لحزب الله وتسليم <المسؤول> أو <المسؤولين> عن الحادثة إلى القضاء اللبناني، ومناشدة الأطراف السياسية الأخرى التحلي بالحكمة وعدم زج المؤسسة العسكرية في الصراعات السياسية، والطلب إلى قيادة الجيش الإسراع في التحقيقات وإعلان النتائج بكل شفافية، تماماً كما حصل في التحقيقات العسكرية التي جرت مع الضباط والعسكريين المعنيين بحادثة الشياح – مار مخايل، والتي أدارتها قيادة الجيش بكل شجاعة ومناقبية، وانتهت إلى ما انتهت إليه من تدابير وعقاب بحق عدد من العسكريين·
لو كان الإمام بيننا··· لتقدّم الجميع في الدعوة إلى استعجال الحوار، ووضع الاستراتيجية الدفاعية في مقدمة الأولويات، ليس من باب الحرص على استمرار علاقات التعاون والتنسيق المعمّدة بالدم بين الجيش والمقاومة وحسب، بل وأيضاً للتأكيد من جديد بأن خيارات المقاومة هي الدفاع عن الوطن أولاً وأخيراً، وبعيداً عن أية حسابات حزبية أو إقليمية لا قدرة للوطن الصغير على تحمل تبعاتها، بعد كل ما أصابه في السنوات العجاف الماضية·
* * *
في الذكرى الثلاثين لتغييب الإمام موسى الصدر يفتقد اللبنانيون أكثر من أي وقت، إلى الخطاب الوطني الوحدوي، الهادئ، المتواضع، البعيد عن عبارات التهديد وأساليب الاستفزاز، ويتساءلون: لماذا لا تُنشر وتُعمّم خطابات ومواقف هذا القائد الفذ، على الأقل مرة واحدة في كل سنة، في ذكرى خطفه وتغييبه بالذات؟!·